ابن أبي الحديد
20
شرح نهج البلاغة
وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في " غريب الحديث " ان رجلا أتى عمر يسأله ويشكو إليه الفقر ، فقال : هلكت يا أمير المؤمنين فقال : أهلكت وأنت تنث نثيث الحميت ( 1 ) اعطوه . فاعطوه ربعة ( 2 ) من مال الصدقة ، تبعها ظئراها . ثم أنشأ يحدث عن نفسه ، فقال : لقد رأيتني وأختا لي نرعى على أبوينا ناضحا ( 3 ) لنا ، قد ألبستنا أمنا نقبتها ( 4 ) وزودتنا يمنتيها هبيدا ( 5 ) فنخرج بناضحنا ، فإذا طلعت الشمس ، ألقيت النقبة إلى أختي ، وخرجت أسعى عريان ، فنرجع إلى امنا ، وقد جعلت لنا لفيتة ( 6 ) من ذلك الهبيد ، فيا خصباه . * * * وروى ابن عباس رضي الله عنه ، قال : دخلت على عمر في أول خلافته وقد ألقى له صاع من تمر على خصفة ( 7 ) فدعاني إلى الاكل ، فأكلت تمرة واحدة واقبل يأكل حتى أتى عليه ، ثم شرب من جر ( 8 ) كان عنده واستلقى على مرفقة له وطفق يحمد الله يكرر ذلك ، ثم قال : من أين جئت يا عبد الله ؟ قلت : من المسجد ، قال : كيف خلفت ابن عمك ؟ فظننته يعنى عبد الله بن جعفر قلت : خلفته يلعب مع أترابه ، قال : لم اعن ذلك ، إنما عنيت عظيمكم أهل البيت قلت : خلفته يمتح بالغرب ( 9 ) على نخيلات من فلان وهو يقرأ القرآن قال : يا عبد الله عليك دماء البدن إن كتمتنيها ! هل بقي في نفسه
--> ( 1 ) قال ابن الأثير : نث الزق ينث : إذا رشح ما فيه من السمن . أراد : أتهلك وجسدك كأنه يقطر دسما ! والنثيث : إن يرشح ويعرق من كثرة لحمه . ويروى : ( تمث ) بالميم . والحنث : الزق والنحى . ( 2 ) الربعة : مؤنث الربع ، وهو الفصيل ينتج في الربيع . ( 3 ) الناضح : البعير يستقي عليه ، ثم استعمل في كل بعير وإن لم يحمل الماء ( 4 ) النقبة : ثوب كالإزاء ، ويجعل له حجزة مخيطة . ( 5 ) الهيد ، حب الحنظل ( 6 ) اللفيتة : العصيدة المغلظة ، لأنها تلفت ، أي تلوى . ( 7 ) الخصفة ، محركة : الجلة تعمل من الحوض للتمر . ( 8 ) الجر بفتح الجيم وتشديد الراء : آنية من خزف ، الواحدة حرة . ( 9 ) الغرب : الدلو