ابن أبي الحديد
18
شرح نهج البلاغة
وقد تسورت وقال : ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا ) ( 1 ) وما سلمت . فقال : هل عندك من خير ان عفوت عنك ؟ قال : نعم ، والله لا أعود ، فقال : اذهب فقد عفوت عنك . * * * وخطب يوما ، فقال : أيها الناس ، ما الجزع مما لابد منه ! وما الطمع فيما لا يرجى وما الحيلة فيما سيزول ! وإنما الشئ من أصله وقد مضت قبلكم الأصول ونحن فروعها ، فما بقاء الفرع بعد ذهاب أصله ! إنما الناس في هذه الدنيا أغراض تنتبل فيهم المنايا نصب المصائب ، في كل جرعة شرق وفى كل اكلة غصص ، لا تنالون نعمة الا بفراق أخرى ولا يستقبل معمر من عمره يوما الا بهدم آخر من أجله ، وهم أعوان الحتوف على أنفسهم ، فأين المهرب مما هو كائن ! ما أصغر المصيبة اليوم ، مع عظم الفائدة غدا ! وما أعظم خيبة الخائب ، وخسران الخاسر ، ( يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم ) ! وأكثر الناس روى هذا الكلام لعلى عليه السلام ، وقد ذكره صاحب " نهج البلاغة " وشرحناه فيما سبق . * * * حمل من العراق إلى عمر مال فخرج هو ومولى له ; فنظر إلى الإبل فاستكثرها ، فجعل يقول : الحمد لله يكررها ويرددها ، وجعل مولاه يقول : هذا من فضل الله ورحمته . ويكررها ويرددها . فقال عمر : كذبت لا أم لك ! أظنك ذهبت إلى أن هذا هو ما عناه سبحانه
--> ( 1 ) سورة النور 61