ابن أبي الحديد
115
شرح نهج البلاغة
بمال ، قال : معي جرابي اجعل فيه زادي ، وقصعتي آكل فيها واغسل منها رأسي وثيابي ، وأداتي أحمل فيها وضوئي وشرابي ، وعنزتي أتوكأ عليها وأجاهد بها عدوا ان عرض لي . قال عمر : أفجئت ماشيا ؟ قال : نعم ، لم يكن لي دابة : قال : أفما كان في رعيتك أحد يتبرع لك بدابة تركبها ؟ قال : ما فعلوا ، ولا سألتهم ذلك ، قال عمر : بئس المسلمون خرجت من عندهم ! قال عمير : اتق الله يا عمر ، ولا تقل الا خيرا ، قد نهاك الله عن الغيبة وقد رأيتهم يصلون ! قال عمر : فماذا صنعت في أمارتك ؟ قال : وما سؤالك ؟ قال : سبحان الله ! قال : أما إني لولا أخشى ان اعمل ما أخبرتك . أتيت البلد ، فجمعت صلحاء أهله فوليتهم جبايته ووضعه في مواضعه ولو أصابك منه شئ لأتاك ، قال : أفما جئت بشئ ؟ قال : لا ، فقال : جددوا لعمير عهدا ، قال : ان ذلك لشئ لا أعمله بعد لك ، ولا لأحد بعدك ، والله ما كدت أسلم - بل لم أسلم ، قلت لنصراني معاهد : أخزاك الله ، فهذا ما عرضتني له يا عمر ! ان أشقى أيامي ليوم صحبتك ! ثم استأذنه في الانصراف ، فأذن له ، ومنزله بقباء بعيدا عن المدينة ، فأمهله عمر أياما ثم بعث رجلا يقال له الحارث ، فقال : انطلق إلى عمير بن سعد وهذه مائة دينار ، فإن وجدت عليه أثرا فاقبل على بها ، وان رأيت حالا شديدة فادفع إليه هذه المائة ، فانطلق الحارث فوجد عميرا جالسا يفلي قميصا له إلى جانب حائط ، فسلم عليه ، فقال عمير : انزل رحمك الله ! فنزل فقال : من أين جئت ؟ قال : من المدينة ، قال : كيف تركت أمير المؤمنين ؟ قال : صالحا ، قال : كيف تركت المسلمين ؟ قال : صالحين ، قال : أليس عمر يقيم الحدود ؟ قال : بلى ، ضرب ابنا له على فاحشة فمات من ضربه ، فقال عمير : اللهم أعن عمر ، فإني لا أعلمه إلا شديدا حبه لك ! قال : فنزل به ثلاثة أيام ، وليس لهم الا قرص من شعير كانوا يخصونه كل يوم به ويطوون ، حتى نالهم الجهد ، فقال له عمير : إنك قد أجعتنا ، فإن رأيت أن تتحول عنا فافعل ، فأخرج الحارث الدنانير فدفعها إليه ، وقال : بعث بها أمير المؤمنين فاستغن بها ، فصاح وقال : ردها ، لا حاجة لي فيها ، فقالت المرأة : خذها