فوزي آل سيف

86

أعلام من الأسرة النبوية

ومن ذلك أيضا ما صنعه صلى الله عليه وآله لزينب بنت جحش، وهي بنت عمته؛ فأم زينب بنت جحش هي أميمة بنت عبد المطلب، فزينب ابنة عمته صلى الله عليه وآله. زينب بنت جحش أسدية، لكنّ أمها هاشمية، فأرسل لها النبي أنّي أخطبك للنكاح، فتصورت أنّه يخطبها لنفسه، فسعدت بهذا الأمر، وبعد ذلك عرفت أنّ الخطبة لم تكن للنبي، وإنّما كانت لزيد بن حارثة، ويظهر أنّ زيدًا بالإضافة أنّه كان عبدًا ــ سابقًا ــ بحسب تقييمهم وتصنيفهم، وكان قد اُعتق؛ كان أسمر شديد السمرة، وهذه نقطة ضعف أخرى بحسب مقاييسهم!! فلما خُطبت لزيد أنفت، ورأت نفسها لا تستطيع أن توافق، وبعد هذا نزلت الآية المباركة التي حوتها سورة الأحزاب ــ أيضا ــ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}([229]). ولما سمعت زينب بأنّ هناك آية نزلت، وفيها أنّ النبي هو صاحب الاختيار والقرار للناس، وهو أولى بهم من أنفسهم، وإذا عصى شخص أمر النبي فهو ضالّ ضلالًا مبينًا؛ تصوّرت أنّ النبي صلى الله عليه وآله أمرها أمرًا شخصيًا واجب الإتباع بالموافقة على الزواج من زيد، بينما كان النبي في صدد تطبيق القانون، ويريد أن يزوج هذا الرجل من تلك المرأة، لا غير. لقد تصوّرت زينب أنّها المقصودة من هذه الآية، فأرسلت إلى رسول الله أنّي موافقة على الزواج من زيد. وافقت عليه، وجرى الزفاف، وتزوّجا، لكن لا يزال الشعور بالرفعة الاجتماعية والتفوّق باقيًا في قرارة نفسها، لقد كانت تشعر أنّها فوق زوجها!!، التاريخ يذكر هذا، وربّما بعض التصرّفات التي تُذكر تشعر بهذا. وهذا الشعور بالتفوق من طرف تجاه الطرف الآخر يقع ــ أحيانًا ــ عند بعض الرجال أو بعض النساء، فقد يتزوّج رجل حاصل على شهادة دكتوراه من بنت عمّه خريجة الثانوية، فيشعر بـ (ميزة التفوّق)، وهذا ناشئ من المعيار المشتبه الذي يحمله في نفسه، ويُنتج له تصرّفات تبعية، فيُشعِر زوجته دائمًا بدونية مستواها المعرفي، وأنّها لا تفهم شيئًا، وأنّ هناك مسافة بينه وبينها، وهذا شعور وسلوك غير صحيح!! وأسوأ منه ما إذا حصل العكس، فتكون الزوجة ــ مثلًا ــ دكتورة أو خريجة في مجال من المجالات، وتتزوّج من شخص دونها في المستوى العلمي، فتشعر بسموّها المعرفي عليه، وتصدر منها سلوكيات متعالية!! مثل هذا الإنسان إذا كان يريد أن يُنجح حياته الزوجية فعليه أن يتحرّر من هذا الشعور المرَضي، وألّا يتعامل مع زوجته وكأنّه التفوق في مقابل الدون، والرفعة في مقابل الضعة، ويتعامل معها وكأنّه (متصدّق عليها!!) لما تزوجها. ومثل هذه المرأة إذا كانت تريد أن تُنجح حياتها الزوجية فعليها أن تترك هذا الشعور المرَضي، ولا تتعامل داخل البيت الزوجي على أنّها دكتورة وفاهمة، وأنّ زوجها متخلف أو متأخر ولا يفهم شيئًا، أو أنّه ليس من مستواها، وأنّها (متصدّقة عليه!!) لما تزوّجته. هذه أخطاء فادحة تدمّر الحياة الزوجية. والنبي صلى الله عليه وآله كان يريد أن يكسر هذه المفاهيم والسلوكيات الخاطئة، ولولا ذلك لما تزوّج أصلاً، فأين مقام النبي الأكرم من مقام زوجاته؟!، وهل هناك امرأة تقارن بالنبي؟!، وهل هناك أحد يقارن أمير المؤمنين (عليه

--> 229 ) سورة الأحزاب، الآية 36.