فوزي آل سيف
73
أعلام من الأسرة النبوية
محمد إلى الشام بتجارة لها، ويكون الربح بينهما، وجعلت تحت يده مدبر أموالها ميسرة وتحت أمره العاملون في تلك التجارة. ولما رجع النبي من رحلته التجارية الشامية وقد ربح ربحا جيدا، لم يكن هَمُّ خديجة في ربح المال بقدر ما كان يهمها ربح النبي نفسه ومعرفة أحواله من خلال ميسرة غلامها الذي شرح لها ما كانت تنتظره وتستطيبه من ذكر صفاته وأخلاق معاشرته مع الناس، وإدارة أمور التجارة، وأضاف إليها ما رأى من الكرامات والفضائل التي خصه الله بها من تظليله بالغمام في حر الشمس، وغير ذلك.. عندها خطت الخطوة الثانية وهي أن (تخطب)النبي محمدا لنفسها!! بلى رغبتها فيه واشتياقها إلى الاقتران به جعلها تفعل ذلك، وصوبت حكمتها وكمال عقلها هذا الأمر فلا ينبغي أن تترك هذه الفرصة: الاقتران بسيد الخلائق والنبي الذي بشر به المرسلون السابقون، فهل تترك ذلك لأجل بعض الأعراف الاجتماعية الخاطئة التي قد تبيح للمرأة الخاطئة أن تنشئ علاقة غير مشروعة مع رجل وتتغاضى عن ذلك، بينما ترفض أن تنشئ امرأة مقدمات الزواج المحلل مع رجل كسيد الخلق!! ولأجل هذا فقد ذكرت الأمر لامرأة كانت تدخل عليها وتختصها وهي نفيسة بنت منية، ولنتركها تتحدث عن هذه المهمة: قالت" كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير وهي يومئذ أوسط قريش نسباً وأعظمهم شرفاً وأكثرهم مالاً وكل قومها كان حريصاً على نكاحها لو قدر على ذلك قد طلبوها وبذلوا لها الأموال. فأرسلتني دسيساً إلى محمد بعد أن رجع في عيرها (قافلتها) من الشام؛ فقلت يا محمد ما يمنعك أن تزّوج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به! قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ قلت: خديجة! قال: وكيف لي بذلك؟ قالت: قلت عليّ! قال:فأنا أفعل فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه أن أئت لساعة كذا وكذا.."[205] وبقي بعد ذلك الترتيب الرسمي لموضوع الزواج، فجاء بنو هاشم إلى منزل خديجة يتقدمهم رأس الهاشميين أبو طالب بن عبد المطلب، ليخطب خديجة من عمها باعتبار أن والدها ــــــ على ما هو الصحيح ــــــ كان قد قتل في حرب الفِجار، وبعد أن استقر بهم المقام، خطب أبو طالب خطبة يتبين فيها معرفته بمقام ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله، جاء فيها: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، وضئضىء معد «أى معدنه وأصله» وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسوّاس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح به، فإن كان في المال قلّ، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي كذا. وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطب جليل"
--> 205 ) المصدر السابق 1/ 131