فوزي آل سيف
59
أعلام من الأسرة النبوية
نقول إن هذه الحالة كانت استثنائية وتفرضها ضرورة الظروف آنئذ، وإلا فإن الحالة الطبيعية أن تتولى الأمهات الاهتمام المباشر بشؤون أطفالهن، وهنا لا بد أن نشير إلى ظاهرة غير حسنة، ربما وجدت في الفترات الأخيرة، وهي انشغال قسم من الأمهات، إما بداعي كونهن عاملات في أكثر النهار لتحصيل الرزق أو مساعدة الزوج في النفقات، أو لغيره من الأسباب، فيقمن بترك الأبناء والبنات على العاملات المنزليات، ويفرغن أيدهن بالكامل من الاعتناء بهؤلاء الأولاد، ولا ريب أن العاملات المنزليات مهما كنَّ مخلصات فإن آثارهن في نفسية الأطفال ليس هي الآثار المطلوبة الحسنة.. إن أصل شعور الطفل بأن غير أمه هي التي تتولى أموره بالكامل منذ الصغر، يجعل عواطفه في غير الاتجاه الصحيح، فلا يرى لأمه حضورا واضحا في حياته، ولا يجد المكان العظيم الذي ينبغي لها في قلبه.. تخطيء الأم حين تتصور أن مسؤوليتها تنتهي بمجرد خروج الجنين من بطنها، ثم بعد ذلك تأخذه العاملة المنزلية الأجنبية وهي التي تحضر طعامه،وهي التي تبدل ملابسه وتعرف تفاصيل بدنه ما لا تعرفه الأم الأصلية؟ ثم إذا كبر تعلم ماذا يصنع؟ يأكل؟ماذا جرى عليه مرضه وصحته؟ ونومه ويقظته ! ورضاه وغضبه، ثم إذا كبر واحتاج للنزهة و الترفيه هي معه يأنس بها ومعها ربما أكثر مما يأنس بأمه!! فيأنس لها أحياناً أكثر من أمه على أثر طول المدة و قربها منه وقيامه بشؤونه! إن بعض الحالات كما مر لتصل إلى درجة الجناية و الجريمة في حق الطفل. لمثل هؤلاء الأمهات يقال: أيتها الأم إذا لم تجدي نفسك مهيأة أو مهتمة بتربية الطفل.. لماذا أنجبتِه؟ وأتيتِ به لهذه الدنيا؟ من المهم أن نلاحظ هذا، وأنه كان في حالة رسول الله يقع في جانب الاضطرار، والنبي لم يكن في تلك السن المبكرة جدا، وإنما من أبناء خمس سنين.. وما تم المصير إليه إلا بعد أن فقد أمه الماجدة آمنة عليها السلام. هاتان نقطتان تمهيديتان، وأما النقطة الثالثة: بمناسبة الحديث عن كونها جارية مملوكة، فربما يُسأل حول موضوع الجواري والعبيد وكيف أن المعصومين يملكون جواري وعبيدا؟ أليس في هذا إهانة للمرأة؟ لماذا لم يحرروهن مباشرة؟ الجواب: الإسلام دين واقعي في حل المشاكل وهذا من أسباب كونه دين الخاتمية. وفيما يرتبط بمسألة العبيد فقد كان النظام الاجتماعي العام في كل العالم قائما على الإقرار بالجواري والعبيد وكان جزءا من النظام الاقتصادي يقوم على أساس بيعها وشرائها، بل وإن قسما من عمليات الانتاج والزراعة وغيرها تقوم عليهم، كما كان قسم من النظام الاجتماعي يرتبط بهم فبيوت الأكثر من الناس من الطبقات المتوسطة والثرية لا تخلو من الجواري والعبيد. وكانت مناشيء متعددة ترفد الأسواق بالجديد من هؤلاء. فالحروب التي كان تحصل بين الدول، بل حتى بين القبائل كانت تضخ في هذه الأسواق المزيد منهم[164].. فمثلا زيد بن حارثة وهو أحد أزواج أم أيمن إنما استرق على أثر غزوة بين قبيلتهم وقبيلة أخرى، وتم بيعه في مكة المكرمة، ليصبح عند النبي صلى الله عليه وآله ويقوم بتحريره فيما بعد. 2- كما أن بعض حالات الفقر عند قسم من العوائل تدفعها إلى بيع أولادها لأصحاب المال إما لأنهم لا يستطيعون إعالتهم أو رغبة في الحصول على المال. كما أن بعض هؤلاء كانوا (أو كن) يختطفون أو يسرقون من أماكن عيشهم ويجلبون إلى مناطق أخر، على أنهم عبيد وإماء.. ولم يكن لهم طريق غير الخضوع!
--> 164 ) علي ؛ د. جواد علي: المفصل في تاريخ العرب 10/ 245