فوزي آل سيف

54

أعلام من الأسرة النبوية

ولا ريب أن هذا باطل، وأن العباس مهما بلغت مرتبته عند مؤيديه فلا يساوي أمام أمير المؤمنين عليه السلام شيئا.. ولعل بعض الروايات فيها رائحة هذا الصراع وكانت بمثابة الرد على مغالاة الحاكمين في فضائل جدهم العباس خاصة وأنهم أصبحوا الآن يتحكمون في كتابة التاريخ الإسلامي عبر تشجيع البعض على تدوينه كما سبق. وكما قلنا فإن أعلام الطائفة في أمر العباس بن عبد المطلب على رأيين: من زكاه وأعطى له المنزلة العالية، وأثبت ما ورد في شأنه في روايات كتاب السيرة والمؤرخين، ومن ذلك ما تعرض له الشيخ التستري،[153]وننقل جانبا منه، قال بعد ان استعرض الروايات المادحة والأخرى القادحة فيه: " يكفي العبّاس جلالة أنّ أبا بكر وعمر أرادا إشراكه في الخلافة ليضعّفا أمر أمير المؤمنين- عليه السّلام- فلم يقبل منهما". ثم نقل عن ابن قتيبة أن المغيرة بن شعبة اقترح على أبي بكر أن يجعل للعباس نصيبا في الخلافة حتى يتقووا به على الإمام علي وبني هاشم إذا صار العباس معهم، فذهبوا إليه، وخطب أبو بكر، ثم عمر في هذا الشأن. فرد عليهما العباس بعد أن حمد الله وأثنى عليه بالقول: "إنّ اللّه بعث محمّدا كما زعمت نبيّا و للمؤمنين وليّا فمنّ اللّه بمقامه بين أظهرنا حتّى اختار له ما عنده، فخلّى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين للحقّ غير مائلين عنه بزيغ الهوى؛فان كنت برسول اللّه طلبت فحقّنا أخذت،و إن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم متقدّمون فيهم؛و إن كان هذا الأمر إنّما يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنّا كارهين.فأمّا ما بذلت لنا،فان يكن حقّا لك فلا حاجة لنا فيه،و إن يكن حقّا للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم،و إن كان حقّنا لم نرض عنك فيه ببعض دون بعض.و أمّا قولك:إنّ رسول اللّه منّا و منكم فانّه كان من شجرة نحن أغصانها و أنتم جيرانها".. ثم قال أيضا: " ويكفيه ثباته يوم حنين،وفي الزيارة الغديريّة:[154]ويوم حنين على ما نطق به التنزيل «إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضٰاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» و المؤمنون أنت ومن يليك وعمّك العبّاس ينادي المنهزمين:يا أصحاب سورة البقرة يا أهل بيعة الشجرة!حتّى استجاب له قوم". كذلك أشار التستري إلى خبر الحجاج بن علاط وسائر مواقفه وكأنه يقبل رواياتها: "وفي حديث الحجّاج بن علاط أنّه كان مسلما يسرّه ما يفتح اللّه على المسلمين،ثمّ أظهر إسلامه يوم فتح مكّة و شهد حنينا و الطائف وتبوك.و قيل:إنّ إسلامه قبل بدر،كان يكتب بأخبار المشركين إلى النبيّ، وكان المسلمون يتقوّون به بمكّة،وكان يحبّ أن يقدم على النبيّ- صلّى اللّه عليه و آله - فكتب النبيّ- إليه:أنّ مقامك بمكّة خير؛فلذلك قال النبيّ- صلّى اللّه عليه وآله وسلّم- يوم بدر:من لقي منكم العبّاس فلا يقتله،فانّما اخرج كارها؛و كان أنصر الناس للنبيّ بعد أبي طالب،و حضر معه العقبة يشترط له على الأنصار،و كان على دين قومه يومئذ". وبالنسبة لأخبار الذم: فالموجود في روضة الكافي عن سدير، علق عليه التستري بأنه محتمل الصدق، واكتفى بذلك!! مع أنه كان بإمكانه الإشكال على ما جاء في متنه من وصفه العباس وعقيلا (بأنهما كان من الطلقاء) وهو خلاف المعلوم وجدانا! فإن مصطلح الطلقاء إنما يطلق على من بقوا على الكفر إلى زمان فتح مكة، حتى قال فيهم النبي: اذهبوا فأنتم الطلقاء.. وهذا لا ينطبق على العباس فإنه على كل التقادير أسلم قبل فتح مكة! ولعل هذه الجهة

--> 153 ) التستري ؛ الشيخ محمد تقي: قاموس الرجال 6/ 20 154 ) المشهدي ؛ محمد بن: المزار 1/ 274