فوزي آل سيف

49

أعلام من الأسرة النبوية

فقلت الذي قلت، فقال له رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم: إنّ أباك وعمك وأخاك خرجوا جادّين في قتالنا طائعين غير مكرهين، وإن هؤلاء أخرجوا مُكرَهين غير طائعين لقتالنا.. ولكن هذا لم يمنع أن يأخذ رسول الله منهم الفداء عندما أسروا! وإلا لو فعل النبي ذلك أيضا لاتُّهم بالمحاباة الكاملة لأهله وتمييزهم على غيرهم.. إن النبي صلى الله عليه وآله كان مع ملاحظته كل هذه الأمور لم يسلم من اتهام بعض المسلمين بأنه يجتهد من تلقاء نفسه في تقديم أسرته، كما قال بعضهم عندما نصب عليا في يوم الغدير بأمر الله تعالى.. سألوه هذا من عندك أو من عند الله؟ فلما أُسر العباس وجرى عليه ما جرى على سائر الأسرى: الفداء على من يملك من يفتدي نفسه.. طلب منه فداء نفسه! كعادة التجار الذين يشتكون من عدم وجود مال عندهم دائما، قال العباس بأنه لا يملك شيئا! لنرَ ما يقوله التاريخ عن الحوار الماتع بين النبي والعباس: " ــ قال للعباس: افد نفسك، وابن أخيك عقيلا، ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن جحدم فأبى، وقال: إني كنت مسلما قبل ذلك، وإنما استكرهوني. قال: الله أعلم بشأنك، إن يك ما تدعي حقا، فالله يجزيك بذلك، وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا[141]، فافد نفسك. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عرف أن العباس أخذ معه عشرين أوقية ذهبا فقلت يا رسول الله، احسبها لي من فدائي. قال: لا، ذاك شيء أعطانا الله منك، ـ قال: فإنه ليس لي مال. قال: فأين المال الذي وضعته بمكة عند أم الفضل، وليس معكما أحد غيركما، فقلت: إن أصبت في سفري فللفضل كذا، لقثم كذا، ولعبد الله كذا؟ قال: فوالذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد من الناس غيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله."[142] ورجع العباس إلى مكة، " يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان المسلمون يتقوون به بمكة، وكان يحب أن يقدم على رسول الله فكتب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن مقامك في مكة خير" وكتب للنبي عن استعداد قريش لشن حملة عسكرية قريبة على المدينة، وأنهم جمعوا لذلك قرابة ثلاثة آلاف مقاتل، واستأجر رجلا من غفار وشرط عليه أن يسير ثلاثا حتى يصل بالكتاب إلى النبي في المدينة.[143]. وظل العباس في مكة المكرمة وقد عرف إسلامه بالتدريج، ولذلك كان يقصد من المسلمين بأخبار رسول الله صلى الله عليه وآله، فإنه لما أراد الحجاج بن علاط السلمي الذهاب إلى مكة، قصد العباس وأخبره سرا بنصر رسول الله، فقد قال أرباب السيرة: " ولما فتحت خيبر كلم رسول الله ﷺ الحجاج بن علاط السلمي، ثم البهزي فقال: يا رسول الله إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة - وكانت عنده، له منها معوض بن الحجاج - ومالاً متفرقاً في تجار أهل مكة، فائذن لي يا رسول الله. فأذن له، فقال: إنه لا بد لي يا رسول الله أن أقول (يعني كلاماً غير حسن).

--> 141 ) هذه الكلمات سوف تخالف ما قيل من أن النبي أمره بالبقاء في مكة لموافاته بأخبار قريش، ولا ننسى أن قسما من كتب السيرة وتاريخ الإسلام قد كتب في زمان العباسيين ومنه ما كتب بأمر خلفائهم، فمن الطبيعي أن يتزلف بعض الكتاب إلى الخلفاء بمدح جدهم، وهذا مما يدعو إلى التأمل في مثل تلك الأخبار، لكن من جهة أخرى قد يقال: أن هذا هو من مقتضيات إخفاء دوره المطلوب منه.. 142 ) الذهبي ؛ شمس الدين: سير أعلام النبلاء 2/78 143 ) المجلسي ؛ محمد باقر: بحار الأنوار 20/ 123 عن شرح النهج لابن أبي الحديد. وقد رأى الشيخ اليوسفي في كتابه موسوعة التاريخ أن هذا الخبر مما ابتدع تقربا لبني العباس فيما بين تاريخ ابن اسحاق بأمر المنصور لوليّ عهده المهدي، وبين عهد الواقدي المعاصر للمأمون والقاضي له ببغداد.