فوزي آل سيف
41
أعلام من الأسرة النبوية
المرضع الأمومة. وقد لا تكون حاجة الأم إلى إرضاع ابنها أقل من حاجة الابن إلى الارتضاع منها، فكلاهما من الناحية النفسية يحتاجان إلى هذا الأمر. ولذلك ليس من الصحيح ضمن الأحوال الاعتيادية أن تُحرَم الأم من رضاعة ولدها أو أن يحرم الولد من الارتضاع منها، وكأنما اعتبر الشارع المقدس هذا من حقوق الطفل التي لا ينبغي أن يفرط فيها من دون مبرر. فقال في نفس الآية (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ) والإرضاع وإن لم يكن واجبا على الأم من الناحية الشرعية فتستطيع تركه، أو أخذ الأجرة عليه لو أرادت إلا أنه يبقى من احتياجات الطفل..نعم ذهب بعض العلماء إلى وجوب إرضاع الأم لولدها الرضعات الأولى وإطعامه اللِّبأ (هو أول ألبان الأم ويحتوي على كثير من المواد النافعة المقوية للمناعة كما يذكر الأطباء). والقضية الأخرى: إن من أسباب حرمة النكاح بين اثنين (رجل وامرأة): الاشتراك في الرضاعة بشروط[120]ذكرت في الكتب الفقهية، فلو أرضعت امرأة طفلها وارضعت معه مثلا طفلة الجيران، بالشروط المذكورة، فإنهما يصبحان أخوين رضاعيين، وتصبح الأم المرضعة بمثابة الأم الحقيقية في حرمة النكاح بها، وكذا (زوجها) يكون بمثابة الأب الحقيقي في هذه الجهة. حليمة وإرضاع النبي: بناء على ما ينقله المحدثون والمؤرخون فإنه كان أهل مكة من ذوي الشرف والمنزلة الاجتماعية يرسلون مواليدهم خارج مكة إلى البادية، ليرتضعوا فيها، باعتبارات متعددة ؛ منها أن جو البادية بالنسبة إلى مكة صحي ونظيف بينما مكة كانت ذات كثافة سكانية وهي بطبيعتها الجغرافية غير منبسطة بل محصورة بين الجبال ومسطحاتها الخضراء نادرة، وقد عرفها القرآن بأنها واد غير ذي زرع، ولم يتغير هذا الحال منذ زمان إبراهيم النبي لأن طبيعتها وتكوينها الجغرافي لم يكن يساعد على الزراعة! كذلك فإن ما يسمى في هذا الزمان (البنية التحتية) للتخلص من الفضلات لم تكن في مكة، فإنهم كانوا يذبحون الذبائح[121]حتى قرب البيت الحرام في منطقة (الحزوّرة)، ثم يرمى بفضلاتها في نفس المنطقة وأطرافها..بل حتى مشاكل التخلص من الفضلات الإنسانية، فكانوا يخرجون إلى أطراف مكة يستترون بها في قضاء حاجتهم تلك، ويضاف إليه أن الماء كان شحيحا فبالرغم من وجود بئر زمزم إلا أنه لم يكن كافيا لحاجات أهل مكة كاملة، فكانوا يستعينون بالآبار المحفورة ــ وكانت عسيرة نظرا للطبيعة الجبلية لأرض مكة! هذا إضافة إلى استقبال مكة للحجاج من مختلف القبائل والأطراف ما كان يساعد على انتقال الأمراض والأوبئة إليها من خارجها. مجموع هذه الأمور جعل مكة بيئة غير صحية، بالقياس إلى الصحراء والبادية المنبسطة..التي تساعد على نمو المواليد في صحة بدنية جيدة. يضاف إلى ذلك جهة أخرى وهي أن مكة لما كانت تحتضن خليطا من العرب الأصليين وغير العرب الذين كانوا يعملون في الحِرف، أو كان بعضهم عبيدا لأهل مكة، فاللغة فيها يخشى عليها الهجنة، والاختلاط باللغات واللهجات الأخرى، بعكس البادية التي كانت اللغة العربية فيها محافظة على نقائها، وأصالتها.. وكان الشعر الفخم فيها سليقة
--> 120 ) من أهم الشروط التي ذكرها الفقهاء أن يكون الارتضاع من امرأة من الثدي مباشرة، وأن تكون فترة الرضاع أثناء الحولين فلا يترتب أثر للتحريم بعدهما ولا رضاع بعد فطام (ولذا لا يصح ما يسمى رضاع الكبير )، وأن يكون الرضاع بمقدار يوجب نبات اللحم وشد العظم، ويكفي فيه خمس عشرة رضعة متتابعة من دون فصل بطعام آخر. 121 ) يشهد لذلك أنهم ذكروا أن عبد المطلب ـ لو تمت قصة الذبيح عبد الله ـ عندما فدى ابنه بمائة من الإبل، ذبحت بالحزورة ـ قريبا من الكعبة ـ، ويشهد له ما ورد في سيرة النبي من أنهم كانوا يؤذونه عندما يرمون عليه سلا الناقة وهو الغشاء الذي فيه الولد مما يظهر أنه كان مرميا في نفس تلك المنطقة، مع أنها منطقة عبادة واجتماع للناس!