ابن أبي الحديد

83

شرح نهج البلاغة

قلت : لما كانت مراتب الزيادة مختلفة جاز أن يقال : ( لا يعتوره الزيادة ) ، فكذلك القول في جانب النقصان ، وجرى كل واحد من النوعين مجرى أشياء متنافية ، تختلف على الموضع الموصوف بها . قوله عليه السلام : ( موطدات ) أي ممهدات مثبتات . والعمد : جمع عماد ، نحو إهاب وأهب ، وإدام وأدم ، وهو على خلاف القياس ، ومنه قوله تعالى : ( في عمد ممدة ) ( 1 ) ، وقوله تعالى : ( خلق السماوات بغير عمد ترونها ) ( 2 ) ، والسند ما يستند إليه . ثم قال : ( دعاهن فأجبن طائعات ) ، هذا من باب المجاز والتوسع ، لان الجماد لا يدعى ، وأما من قال : إن السماوات أحياء ناطقة ، فإنه لم يجعلهن مكلفات ليقال : ولولا إقرارهن له بالربوبية لما فعل كذا ، بل يقول ذلك على وجه آخر ، ولكن لغة العرب تنطق بمثل هذا المجاز ، نحو قول الراجز : امتلأ الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني ( 3 ) . ومنه قوله تعالى : ( ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) ( 4 ) . ومنه قول مكاتب لبني منقر التميميين ، كان قد ظلع ( 5 ) بمكاتبته ، فأتى قبر غالب بن صعصعة ، فاستجار به ، وأخذ منه حصيات فشدهن في عمامته ، ثم أتى الفرزدق فأخبره خبره ، وقال : إني قد قلت شعرا ، قال : هاته ، فأنشده :

--> ( 1 ) سورة الهمزة 9 . ( 2 ) سورة الرعد 2 . ( 3 ) اللسان ( قطين ) من غير نسبه . ( 4 ) سورة فصلت 11 . ( 5 ) يريد أنه ضاق بها .