ابن أبي الحديد
53
شرح نهج البلاغة
وليكن صبورا على ما يلقاه من أذى الجيران إذ يسد سمعه عن الاصغاء إلى ما يقول فيه من أثنى عليه بالعزلة ، وقدح فيه بترك المخالطة ، فإن ذلك لا بد أن يؤثر في القلب ، ولو مدة يسيرة ، وحال اشتغال القلب به لا بد أن يكون واقفا عن سيره في طريق الآخرة ، فإن السير فيها إما يكون بالمواظبة على ورد أو ذكر مع حضور قلب ، وإما بالفكر في جلال الله وصفاته وأفعاله وملكوت سماواته ، وإما بالتأمل في دقائق الأعمال ومفسدات القلب وطلب طرق التخلص منها ، وكل ذلك يستدعى الفراغ ، ولا ريب أن الاصغاء إلى ما ذكرناه يشوش القلب . ويجب أن يكون للمعتزل أهل صالح أو جليس صالح ، لتستريح نفسه إليه ساعة عن كد المواظبة ، ففي ذلك عون له على بقية الساعات . وليس يتم للانسان الصبر على العزلة إلا بقطع الطمع عن الدنيا ، وما الناس منهمكون فيه ، ولا ينقطع طمعه إلا بقصر الامل ، وألا يقدر لنفسه عمرا طويلا ، بل يصبح على أنه لا يمسي ، ويمسي على أنه لا يصبح ، فيسهل عليه صبر يوم ، ولا يسهل عليه العزم على صبر عشرين سنه لو قدر تراخى أجله ، وليكن كثير الذكر للموت ووحدة القبر ، مهما ضاق قلبه من الوحدة ، وليتحقق أن من لم يحصل في قلبه من ذكر الله ومعرفته ما يأنس به ، فإنه لا يطيق وحشة الوحدة بعد الموت ، وأن من أنس بذكر الله ومعرفته فإن الموت لا يزيل أنسه ، لان الموت ليس يهدم محل الانس والمعرفة ، بل يبقى حيا بمعرفته وأنسه فرحا بفضل الله عليه ، قال سبحانه : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ) ( 1 ) . وكل من يجرد نفسه في ذات الله فهو شهيد مهما أدركه الموت ، فالمجاهد من
--> ( 1 ) سورة آل عمران 169 : 170 .