ابن أبي الحديد

38

شرح نهج البلاغة

ذكر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله في الامر بلزوم الجماعة ، والنهى عن الاختلاف والفرقة . ثم أمر عليه السلام بالعزلة ، ولزوم البيت والاشتغال بالعبادة ، ومجانبة الناس ومتاركتهم واشتغال الانسان بعيب نفسه عن عيوبهم . وقد ورد في العزلة أخبار آثار كثيرة ، واختلف الناس قديما وحديثا فيها ، ففضلها قوم على المخالطة ، وفضل قوم المخالطة عليها . فممن فضل العزلة سفيان الثوري ، وإبراهيم بن أدهم ، وداود الطائي ، والفضيل بن عياض ، وسليمان الخواص ، ويوسف بن أسباط ، وبشر الحافي ، وحذيفة المرعشي ، وجمع كثير من الصوفية ، وهو مذهب أكثر العارفين ، وقول المتألهين من الفلاسفة . وممن فضل المخالطة على العزلة ابن المسيب ، والشعبي ، وابن أبي ليلى ، وهشام ابن عروة ، وابن شبرمة ، والقاضي شريح ، وشريك بن عبد الله ، وابن عيينة ، وابن المبارك . فأما كلام أمير المؤمنين عليه السلام فيقتضى عند إمعان النظر فيه أن العزلة خير لقوم ، وأن المخالطة خير لقوم آخرين على حسب أحوال الناس واختلافهم . وقد احتج أرباب المخالطة يقول الله تعالى : ( فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ) ( 1 ) ، وبقوله : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ) ( 2 ) ، وهذا ضعيف ، لان المراد بالآية تفرق الآراء واختلاف المذاهب في أصول الدين ، والمراد

--> ( 1 ) سورة آل عمران 103 . ( 2 ) سورة آل عمران 105 .