ابن أبي الحديد

35

شرح نهج البلاغة

لعظيم كبائره جدا ، فيفضحه الله تعالى في الموقف كما يفضح المشرك ، فهذا معنى قوله : ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) . فأما الكلام المطول في تأويلات هذه الآية فمذكور في كتبنا الكلامية . واعلم أنه لا تعلق للمرجئة ولا جدوى عليهم من عموم لفظ الآية ، لأنهم قد وافقونا على أن الفلسفي غير مغفور له وليس بمشرك ، فإذا أراد بقوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) ومن جرى مجرى المشركين ، قيل لهم : ونحن نقول : إن الزاني والقاتل يجريان مجرى المشركين كما أجريتم الفلاسفة مجرى المشركين ، فلا تنكروا علينا ما لم تنكروه على أنفسكم . ثم ذكر عليه السلام أن القصاص في الآخرة شديد ، ليس كما يعهده الناس من عقاب الدنيا الذي هو ضرب السوط ، وغايته أن يذوق الانسان طعم الحديد ، وهو معنى قوله : ( جرحا بالمدي ) ، جمع مدية وهي السكين ، بل هو شئ آخر عظيم لا يعبر النطق عن كنهه وشدة نكاله وألمه . ( فصل في الآثار الواردة في شديد عذاب جهنم ) قال الأوزاعي في مواعظه للمنصور : ( روى لي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أن ثوبا من ثياب أهل النار علق بين السماء والأرض لأحرق أهل الأرض قاطبة ، فكيف بمن يتقمصه ! ولو أن ذنوبا من حميم جهنم صب على ماء الأرض كله لأجنه حتى لا يستطيع مخلوق شربه ، فكيف بمن يتجرعه ! ولو أن حلقة من سلاسل النار وضعت على جبل لذاب كما يذوب الرصاص ، فكيف بمن يسلك فيها ، ويرد فضلها على عاتقه ! وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله : ( لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون ، وأخرج إليهم رجل من النار فتنفس وأصابهم نفسه لأحرق المسجد ومن فيه ) .