ابن أبي الحديد

31

شرح نهج البلاغة

وقال : ( إن ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئا مما حرم عليكم ) ، أي ما أحدثوه من القياس والاجتهاد ، وليس هذا بقادح في القياس ، ولكنه مانع من تقديمه على النص ، وهكذا يقول أصحابنا . قوله : ( وضرستموها ) بالتشديد أي أحكمتموها تجربة وممارسة ، يقال : قد ضرسته الحرب ، ورجل مضرس . قوله : ( فلا يصم عن ذلك إلا أصم ) ، أي لا يصم عنه إلا من هو حقيق أن يقال عنه : إنه أصم كما تقول : ما يجهل هذا الامر إلا جاهل ، أي بالغ في الجهل . ثم قال : ( من لم ينفعه الله بالبلاء ) أي بالامتحان والتجربة ، لم تنفعه المواعظ ، وجاءه النقص من بين يديه حتى يتخيل فيما أنكره أنه قد عرفه ، وينكر ما قد كان عارفا به ، وسمى اعتقاد العرفان وتخيله ( عرفانا ) على المجاز . ثم قسم الناس إلى رجلين : إما متبع طريقة ومنهاجا ، أو مبتدع ما لا يعرف ، وليس بيده حجة ، فالأول المحق والثاني المبطل . والشرعة : المنهاج . والبرهان : الحجة . الأصل : فإن الله سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن ، فإنه حبل الله المتين وسببه الأمين ، وفيه ربيع القلب ، وينابيع العلم ، وما للقلب جلاء غيره ، مع أنه قد ذهب المتذكرون ، وبقى الناسون أو المتناسون ، فإذا رأيتم خيرا فأعينوا عليه ، وإذا رأيتم شرا فاذهبوا عنه ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : يا بن آدم ، اعمل الخير ، ودع الشر ، فإذا أنت جواد قاصد .