ابن أبي الحديد
22
شرح نهج البلاغة
يا أبا الأخطل ، من هذا الغلام معك ؟ قال : ابني وهو شاعر ، قال : علمه القرآن فهو خير له من الشعر ، فكان ذلك في نفس الفرزدق ، حتى قيد نفسه ، وآلى ألا يحل قيده حتى يحفظ القرآن ، فما حله حتى حفظه ، وذلك قوله : وما صب رجلي في حديد مجاشع * مع القد إلا حاجة لي أريدها ( 1 ) . قلت : تحت قوله عليه السلام : ( يا أبا الأخطل ) قبل أن يعلم أن ذلك الغلام ولده وأنه شاعر ، سر غامض ، ويكاد يكون إخبارا عن غيب ، فليلمح . الفضيل بن عياض : بلغني أن صاحب القرآن إذا وقف على معصية ، خرج القرآن من جوفه ، فاعتزل ناحية وقال : ألهذا حملتني ! قلت : وهذا القول على سبيل المثل والتخويف من مواقعة المعاصي لمن يحفظ القرآن . أنس ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا بن أم سليم ، لا تغفل عن قراءة القرآن صباحا ومساء ، فإن القرآن يحيى القلب الميت ، وينهى عن الفحشاء والمنكر ) . كان سفيان الثوري إذا دخل شهر رمضان ترك جميع العبادة ، وأقبل على قراءة القرآن من المصحف . كعب الأحبار : قال الله تعالى لموسى عليه السلام : مثل كتاب محمد في الكتب مثل سقاء فيه لبن ، كلما مخضته استخرجت منه زبدا . أسلم الخواص : كنت أقرأ القرآن ، فلا أجد له حلاوة ، فقلت لنفسي : يا أسلم ، اقرأ القرآن كأنك تسمعه من رسول الله صلى الله عليه ، فجاءت حلاوة قليلة ، فقلت : أقرأه كأنك تسمعه من جبرئيل عليه السلام ، فازدادت الحلاوة ، فقلت : أقرأه كأنك تسمعه من الله عز وجل حين تكلم به ، فجاءت الحلاوة كلها .
--> ( 1 ) ديوانه 1 : 215 ، وهو أيضا في اللسان 5 : 2 ، ويقال : صب رجلا فلان في القيد ، أي قيد .