ابن أبي الحديد
18
شرح نهج البلاغة
ومن الكلام المروى عنه عليه السلام - ويروى أيضا عن غيره : ( أيها الناس ، إن هذه النفوس طلعة ( 1 ) فإلا تقدعوها ( 2 ) تنزع بكم إلى شر غاية ( 3 ) ) . وقال الشاعر : وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى * فإن أطمعت تاقت وإلا تسلت . ثم قال عليه السلام : ( نفس المؤمن ظنون عنده ) ، الظنون : البئر ( 4 ) التي لا يدرى أفيها ماء أم لا ، فالمؤمن لا يصبح ولا يمسي إلا وهو على حذر من نفسه ، معتقدا فيها التقصير والتضجيع ( 5 ) في الطاعة ، غير قاطع على صلاحها وسلامة عاقبتها . وزاريا عليها : عائبا ، زريت عليه : عبت . ثم أمرهم بالتأسي بمن كان قبلهم ، وهم الذين قوضوا من الدنيا خيامهم ، أي نقضوها ، وطووا أيام العمر كما يطوى المسافر منازل طريقه . * * * الأصل : واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش ، والهادي الذي لا يضل ، والمحدث الذي لا يكذب : وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان ، زيادة في هدى ، أو نقصان من عمى . واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة ، ولا لأحد قبل القرآن من
--> ( 1 ) الطلعة : الكثيرة التطلع . ( 2 ) القدع : المنع والكف . ( 3 ) الخبر في الفائق 1 : 246 منسوب إلى الحسن البصري بهذه الرواية : ( حادثوا هذه القلوب بذكر الله ، فإنها سريعة الدثور ، واقدعوا هذه الأنفس فإنها طلعة ) . وانظر نهاية ابن الأثير 3 : 42 ، 234 ( 4 ) في اللسان عن المحكم : ( بئر ظنون : قليلة الماء لا يوثق بمائها ) . ( 5 ) التضجيع في الامر : التقصير فيه .