ابن أبي الحديد
128
شرح نهج البلاغة
وركبوا بنيات ( 1 ) الطريق ، ضلالا وقلة معرفة بأساليب الكلام ، وأنا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط فأقول : * * * ( رأي للمؤلف في كتاب نهج البلاغة ) لا يخلو إما أن يكون كل نهج البلاغة مصنوعا منحولا ، أو بعضه . والأول باطل بالضرورة لأنا نعلم بالتواتر صحة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد نقل المحدثون كلهم أو جلهم ، والمؤرخون كثيرا منه ، وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك ، والثاني يدل على ما قلناه ، لان من قد أنس بالكلام والخطابة ، وشدا طرفا من علم البيان ، وصار له ذوق في هذا الباب ، لابد أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح ، وبين الفصيح والأفصح ، وبين الأصيل والمولد ، وإذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاما لجماعة من الخطباء ، أو لاثنين منهم فقط ، فلا بد أن يفرق بين الكلامين ، ويميز بين الطريقتين ، ألا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر ونقده ، لو تصفحنا ديوان أبى تمام ، فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره ، لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبى تمام ونفسه ، وطريقته ومذهبه في القريض ، ألا ترى أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه ، لمباينتها لمذهبه في الشعر ، وكذلك حذفوا من شعر أبى نواس شيئا كثيرا ، لما ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه ، ولا من شعره ، وكذلك غيرهما من الشعراء ، ولم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة . وأنت إذا تأملت نهج البلاغة وجدته كله ماء واحدا ، ونفسا واحدا ، وأسلوبا واحدا ، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الابعاض في الماهية ، وكالقرآن العزيز ، أوله كأوسطه ، وأوسطه كآخره ، وكل سورة منه ، وكل آية مماثلة في
--> ( 1 ) يقال : ركب بنيات الطريق ، أي ضل ، وأصل البنيات الطرق الصغار ، ثم أطلقت على الترهات .