ابن أبي الحديد

12

شرح نهج البلاغة

وهذا كقول المسيح عليه السلام : ( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ) ( 1 ) . قال : إلا أنى أخاف أن تكفروا في برسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي أخاف عليكم الغلو في أمري ، وأن تفضلوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل أخاف عليكم أن تدعوا في الإلهية ، كما ادعت النصارى ذلك في المسيح لما أخبرهم بالأمور الغائبة . ثم قال : ( ألا وإني مفضيه إلى الخاصة ) أي مفض به ومودع إياه خواص أصحابي وثقاتي الذين آمن منهم الغلو ، وأعلم أنهم لا يكفرون في بالرسول صلى الله عليه وسلم لعلمهم أن ذلك من إعلام نبوته ، إذ يكون تابع من أتباعه ، وصاحب من أصحابه بلغ إلى هذه المنزلة الجليلة . ثم أقسم قسما ثانيا أنه ما ينطق إلا صادقا ، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد بذلك كله إليه ، وأخبره بمهلك من يهلك من الصحابة وغيرهم من الناس ، وبنجاة ( 2 ) من ينجو ، وبمال هذا الامر - يعنى ما يفضي إليه أمر الاسلام وأمر الدولة والخلافة - وأنه ما ترك شيئا يمر على رأسه عليه السلام إلا وأخبره به وأسره إليه . ( فصل في ذكر بعض أقوال الغلاة في علي ) واعلم أنه غير مستحيل أن تكون بعض الأنفس مختصة بخاصية تدرك بها المغيبات ، وقد تقدم من الكلام في ذلك ما فيه كفاية ، ولكن لا يمكن أن تكون نفس تدرك كل المغيبات لان القوة المتناهية لا تحيط بأمور غير متناهية ، وكل قوة في نفس حادثة فهي متناهية ، فوجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، لا على أن يريد به عموم العالمية

--> ( 1 ) سورة آل عمران / 49 ( 2 ) ا : ( بمنجاة ) .