ابن أبي الحديد

64

شرح نهج البلاغة

الاحسان " : إن معناه أن إحسانه متقادم العهد ، لا أنه قديم حقيقة ، كما جاء في الكتاب العزيز : " حتى عاد كالعرجون القديم " ( 1 ) ، أي الذي قد توالت عليه الأزمنة المتطاولة . * * * ثم ( 2 ) قال الراوندي : والحمد والمدح يكونان بالقول وبالفعل ، والألف واللام في " القائلون " لتعريف الجنس ، كمثلهما في الحمد . والبلوغ المشارفة ، يقال : بلغت المكان إذا أشرفت عليه ، وإذا لم تشرف على حمده تعالى بالقول فكيف توصل إليه بالفعل ! والإله : مصدر بمعنى المألوه . * * * ولقائل أن يقول : الذي سمعناه أن التعظيم يكون بالقول والفعل وبترك القول والفعل ، قالوا : فمن قال لغيره : يا عالم فقد عظمه ، ومن قام لغيره فقد عظمه ، ومن ترك مد رجله بحضرة غيره فقد عظمه ، ومن كف غرب لسانه عن غيره فقد عظمه . وكذلك الاستخفاف والإهانة تكون بالقول والفعل وبتركهما حسب ما قدمنا ذكره في التعظيم . فأما الحمد والمدح فلا وجه لكونهما بالفعل ، وأما قوله : أن اللام في " القائلون " لتعريف الجنس ، كما أنها في الحمد كذلك فعجيب ، لأنها للاستغراق في " القائلون " لا شبهة في ذلك كالمؤمنين والمشركين ، ولا يتم المعنى إلا به ، لأنه للمبالغة ، بل الحق المحض أنه لا يبلغ مدحته كل القائلين بأسرهم . وجعل اللام للجنس ينقص عن هذا المعنى إن أراد بالجنس المعهود ، وإن أراد الجنسية العامة ، فلا نزاع بيننا وبينه ، إلا أن قوله : " كما أنها في الحمد كذلك " يمنع من أن يحمل كلامه على المحمل الصحيح ، لأنها ليست في الحمد للاستغراق ، يبين ذلك أنها لو كانت للاستغراق لما جاز أن يحمد رسول الله صلى الله عليه وآله ولا غيره من الناس ، وهذا باطل .

--> ( 1 ) سورة يس 39 . ( 2 ) كلمة " ثم " ساقطة من أ .