ابن أبي الحديد

59

شرح نهج البلاغة

أن يقصروا به عليه كما هو مذهب الأشعرية ( 1 ) والامامية ( 2 ) ، أو تؤخذ معه أمور أخرى وهي فعل الواجب وتجنب القبيح كما هو مذهب المعتزلة ( 3 ) ، ولا يخالف جمهور المتكلمين في هذه المسألة إلا الكرامية ( 4 ) ، فإن المنافق عندهم يسمى مؤمنا ، ونظروا إلى مجرد الظاهر ، فجعلوا النطق اللساني وحده إيمانا . والمدحة : هيئة المدح ، كالركبة ، هيئة الركوب ، والجلسة هيئة الجلوس ( 5 ) ، والمعنى مطروق جدا ، ومنه في الكتاب العزيز كثير ، كقوله تعالى : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " ( 6 ) وفي الأثر النبوي : " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " ، وقال الكتاب ( 7 ) من ذلك ما يطول ذكره ، فمن جيد ذلك قول بعضهم : الحمد لله على نعمه التي منها إقدارنا على الاجتهاد في حمدها ، وإن عجزنا عن إحصائها وعدها . وقالت الخنساء بنت عمرو بن الشريد : فما بلغت كف امرئ متناول * بها المجد إلا والذي نلت أطول ( 8 )

--> ( 1 ) الأشعرية هم أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ، المنتسب إلى أبي موسى الأشعري ، وهي جماعة الصفاتية ، الذين يثبتون لله تعالى الصفات الأزلية ، كالعلم والقدرة والحياة وغيرها . وانظر الكلام عليهم في الملل والنحل للشهرستاني 1 : 58 - 94 . ( 2 ) الامامية هم القائلون بإمامة علي رضي الله عنه بعد النبي عليه السلام ، وهم فرق متعددة ذكرهم الشهرستاني في الملل والنحل 1 : 144 - 154 . ( 3 ) المعتزلة ويسمون أصحاب العدل والتوحيد ، انظر أيضا الكلام عليهم ، وتعداد فرقهم في المصدر السابق 1 : 49 - 78 . ( 4 ) الكرامية هم أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام ، عدهم الشهرستاني من جماعة الصفاتية ، لأنهم كانوا ممن يثبتون الصفات ، إلا أنهم انتهوا فيها إلى التجسيم والتشبيه ، الملل والنحل 1 : 99 - 104 . ( 5 - 5 ) أ : " كالركبة والجلسة هيئة الركوب والجلوس " . ( 6 ) سورة إبراهيم 34 ، النحل 18 . ( 7 ) ب : " في الكتاب " ، وكلمة " في " مقحمة . ( 8 ) ديوانها 184 ، والرواية هناك فما بلغت كف امرئ متناول * بها المجد إلا حيث ما نلت أطول وما بلغ المهدون في القول مدحة * ولا صفة إلا الذي فيك أفضل