ابن أبي الحديد

43

شرح نهج البلاغة

" الأقدم " ، وهذا كله إطالة وتضييع للزمان من غير فائدة ، ولو أخذنا بشرح مثل ذلك لوجب أن نشرح لفظه " أما " المفتوحة ، وأن نذكر الفصل بينها وبين " إما " المكسورة ، ونذكر : هل المكسورة من حروف العطف أو لا ؟ ففيه خلاف ، ونذكر هل المفتوحة مركبة أو مفردة ؟ ومهملة أو عاملة ؟ ونفسر معنى قول الشاعر : أبا خراشة أما كنت ذا نفر * فإن قومي لم تأكلهم الضبع ( 1 ) بالفتح ، ونذكر بعد لم ضمت إذا قطعت عن الإضافة ؟ ولم فتحت هاهنا حيث أضيفت ؟ ونخرج عن المعنى الذي قصدناه من موضوع الكتاب ، إلى فنون أخرى قد أحكمها أربابها . ونبتدئ الآن فنقول : قال لي إمام من أئمة اللغة في زماننا : هو الفخار ، بكسر الفاء ، قال : وهذا مما يغلط فيه الخاصة فيفتحونها ، وهو غير جائز ، لأنه مصدر " فاخر " ، وفاعل يجئ مصدره على " فعال " بالكسر لا غير ، نحو : قاتلت قتالا ، ونازلت نزالا ، وخاصمت خصاما ، وكافحت كفاحا ، وصارعت صراعا . وعندي أنه لا يبعد أن تكون الكلمة مفتوحة الفاء ، وتكون مصدر " فخر " لا مصدر " فاخر " ، فقد جاء مصدر الثلاثي إذا كان عينه أو لامه حرف حلق على " فعال " ، بالفتح ، نحو سمح سماحا ، وذهب ذهابا ، اللهم إلا أن ينقل ذلك عن شيخ أو كتاب موثوق به نقلا صريحا ، فتزول الشبهة . والعصم جمع عصمة ، وهو ما يعتصم به . والمنار : الاعلام ، واحدها منارة ، بفتح الميم . والمثاقيل : جمع مثقال ، وهو مقدار وزن الشئ ، تقول مثقال حبة ، ومثقال قيراط ، ومثقال دينار . وليس كما تظنه العامة أنه اسم للدينار خاصة ، فقوله : " مثاقيل الفضل " ، أي زنات الفضل ، وهذا من باب الاستعارة . وقوله : " تكون إزاء لفضلهم " ، أي مقابلة له . ومكافأة بالهمز ، من كافأته أي جازيته ، وكفاء ، بالهمز والمد ، أي نظيرا .

--> ( 1 ) البيت لعباس بن مرداس السلمي ، وأبو خراشة كنية خفاف بن ندبة . " اللسان 8 : 183 " .