ابن أبي الحديد
25
شرح نهج البلاغة
كيف يكون أعيا الناس ! فوالله ما سن الفصاحة لقريش غيره ، ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة ، ولا يبارى في البلاغة . وحسبك أنه لم يدون لأحد من فصحاء الصحابة العشر ، ولا نصف العشر مما دون له ، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب " البيان والتبيين " وفي غيره من كتبه . وأما سجاحة الأخلاق ، وبشر الوجه ، وطلاقة المحيا ، والتبسم : فهو المضروب به المثل فيه حتى عابه بذلك أعداؤه ، قال عمرو بن العاص لأهل الشام : أنه ذو دعابة شديدة . وقال علي عليه السلام في ذاك : عجبا لابن النابغة ! يزعم لأهل الشام أن في دعابة ، وأني امرؤ تلعابة ، أعافس وأمارس ( 1 ) ! وعمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر بن الخطاب لقوله له لما عزم على استخلافه : لله أبوك لولا دعابة فيك ! إلا أن عمر اقتصر عليها ، وعمرو زاد فيها وسمجها . قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه : كان فينا كأحدنا ، لين جانب ، وشدة تواضع ، وسهولة قياد ، وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه . وقال معاوية لقيس بن سعد : رحم الله أبا حسن ، فلقد كان هشا بشا ، ذا فكاهة ، قال قيس : نعم ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح ويبتسم إلى أصحابه ، وأراك تسر حسوا في ارتغاء ( 2 ) ، وتعيبه بذلك ! أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى ، تلك هيبة التقوى ، وليس كما يهابك طغام أهل الشام ! .
--> ( 1 ) التلعابة ، بفتح التاء وكسرها : الكثير اللعب والمرح . والمعافسة : الملاعبة أيضا . والممارسة : ملاعبة النساء . والخبر أورده ابن الأثير في النهاية 1 : 117 ، و 3 : 59 ، 110 ، و 4 : 59 ، 89 . ( 2 ) في المثل : " هو يسر حسوا في ارتغاء " ، يضرب لمن يظهر أمرا وهو يريد غيره . ( اللسان 19 : 46 ) .