ابن أبي الحديد

22

شرح نهج البلاغة

ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية " ( 1 ) . وروى عنه أنه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة ، حتى مجلت ( 2 ) يده ، ويتصدق بالأجرة ، ويشد على بطنه حجرا . وقال الشعبي وقد ذكره عليه السلام : كان أسخى الناس ، كان على الخلق الذي يحبه الله : السخاء والجود ، ما قال : " لا " لسائل قط . وقال عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن أبي سفيان لمحفن ( 3 ) بن أبي محفن الضبي لما قال له : جئتك من عند أبخل الناس ، فقال : ويحك " ! كيف تقول إنه أبخل الناس ، لو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن ، لأنفد تبره قبل تبنه . وهو الذي كان يكنس بيوت الأموال ويصلي فيها ، وهو الذي قال : يا صفراء ، ويا بيضاء ، غري غيري . وهو الذي لم يخلف ميراثا ، وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام . وأما الحلم والصفح : فكان أحلم الناس عن ذنب ، وأصفحهم عن مسئ ، وقد ظهر صحة ما قلناه يوم الجمل ، حيث ظفر بمروان بن الحكم - وكان أعدى الناس له ، وأشدهم بغضا - فصفح عنه . وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الاشهاد ، وخطب يوم البصرة فقال : قد أتاكم الوغد ( 4 ) اللئيم علي بن أبي طالب - وكان علي عليه السلام يقول : ما زال الزبير

--> ( 1 ) سورة البقرة 274 ، وللمفسرين في هذه الآية أسباب أخرى للنزول ، ذكرها القرطبي في التفسير 19 : 128 ، وانظر أسباب النزول للواحدي 231 . ( 2 ) مجلت يده ، أي ثخن جلده وتعجز وظهر فيه ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة ، ومنه حديث فاطمة ، أنها شكت إلى علي مجل يديها من الطحن . النهاية لابن الأثير 4 : 80 . ( 3 ) كذا ضبطه الذهبي بالقلم في المشتبه ص 464 . ( 5 ) في ب : " الوغب " ، وهما بمعنى .