ابن أبي الحديد
19
شرح نهج البلاغة
وهو عليه السلام الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستة أشهر ، وهو الذي أفتى في الحامل الزانية ( 1 ) ، وهو الذي قال في المنبرية ( 2 ) : صار ثمنها تسعا . وهذه المسألة لو فكر الفرضي فيها فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب ، فما ظنك بمن قاله بديهة ، واقتضبه ارتجالا . ومن العلوم : علم تفسير القرآن ، وعنه أخذ ، ومنه فرع . وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك ، لان أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس ، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له ، وانقطاعه إليه ، وأنه تلميذه وخريجه . وقيل له : أين علمك من علم ابن عمك ؟ فقال : كنسبة قطره من المطر إلى البحر المحيط . ومن العلوم : علم الطريقة والحقيقة ، وأحوال التصوف ، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الاسلام ، إليه ينتهون ، وعنده يقفون ، وقد صرح بذلك الشبلي ، والجنيد ، وسري ( 3 ) ، وأبو يزيد البسطامي ، وأبو محفوظ معروف الكرخي ، وغيرهم . ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة ( 4 ) التي هي شعارهم إلى اليوم ، وكونهم يسندونها بإسناد متصل إليه عليه السلام .
--> ( 1 ) ذكر القرطبي في تفسيره 16 : 193 ، عند الكلام على قوله تعالى : " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " أن عثمان قد أتى بامرأة ولدت لستة أشهر ، فأراد أن يقضي عليها بالحد ، فقال له علي رضي الله عنه : ليس ذلك عليها ، قال الله تعالى : " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " . ( 2 ) سميت المنبرية ، لأنه سئل عنها وهو على المنبر ، فأفتى من غير روية ، وبيانها أنه سئل في ابنتين وأبوين وامرأة ، فقال : صار ثمنها تسعا ، قال أبو عبيد ، أراد أن السهام عالت حتى صار للمرأة التسع ، ولها في الأصل الثمن ، وذلك أن الفريضة لو لم تعل كانت أربعة وعشرين ، فلما عالت صارت من سبعة وعشرين ، فللابنتين الثلثان : ستة عشر سهما ، وللأبوين السدسان ، ثمانية أسهم ، وللمرأة ثلاثة من سبع وعشرين ، وهو التسع ، وكان لها قبل العول ثلاثة من أربعة وعشرين ، وهو الثمن . وانظر النهاية لابن الأثير 3 : 139 ، واللسان 13 : 512 ، وحاشية البقري على متن الرحبية 34 . ( 3 ) هو سري بن المغلس السقطي ، خال الجنيد وأستاذه ، وصاحب معروف الكرخي ، وأول من تكلم ببغداد في لسان التوحيد وحقائق الأحوال . مات سنة 251 . " طبقات الصوفية للسلمي ص 48 " . ( 4 ) فصل السهروردي في الباب الثاني عشر من كتابه عوارف المعارف " 4 : 191 وما بعدها - على هامش الاحياء " الكلام في شرح خرقة المشايخ الصوفية ولبسها .