ابن أبي الحديد
17
شرح نهج البلاغة
ولا كتمان فضائله ، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الاسلام في شرق الأرض وغربها ، واجتهدوا بكل حيله في إطفاء نوره ، والتحريض عليه ، ووضع المعايب والمثالب له ، ولعنوه على جميع المنابر ، وتوعدوا مادحيه ، بل حبسوهم وقتلوهم ، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة ، أو يرفع له ذكرا ، حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه ، فما زاده ذلك إلا رفعه وسموا ، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه ، وكلما كتم تضوع نشره ، وكالشمس لا تستر بالراح ، وكضوء النهار ان حجبت عنه عين واحدة ، أدركته عيون كثيره ! وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ، ومجلي حلبتها ، كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى . وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الإلهي ، لان شرف العلم بشرف المعلوم ، ومعلومه أشرف الموجودات ، فكان هو أشرف العلوم . ومن كلامه عليه السلام اقتبس ، وعنه نقل ، وإليه انتهى ، ومنه ابتدأ فإن المعتزلة ( 1 ) - الذين هم أهل التوحيد والعدل ، وأرباب النظر ، ومنهم تعلم الناس هذا الفن - تلامذته وأصحابه ، لان كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبى هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ( 2 ) ، وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه عليه السلام . وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبى الحسن علي بن " إسماعيل بن " أبى بشر الأشعري ، وهو تلميذ أبى على الجبائي ، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة ، فالأشعرية ينتهون بأخرة إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم وهو علي بن أبي طالب عليه السلام . وأما الامامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر . * * *
--> ( 1 ) انظر أمالي المرتضى 1 : 148 وما بعدها ، في كلام المؤلف عن سند المعتزلة إلى علي عليه السلام ( 2 ) هو إمام الكيسانية ، وعنه انتقلت البيعة إلى بنى العباس . " تنقيح المقال 2 : 212 " .