ابن أبي الحديد

325

شرح نهج البلاغة

فإن تسأليني كيف أنت فإنني * صبور على ريب الزمان صليب ( 1 ) يعز على أن ترى بي كآبة * فيشمت عاد أو يساء حبيب [ فصل في الرياء والنهى عنه ] واعلم أنه عليه السلام ، بعد أن أمرنا بالصبر ، نهى عن الرياء في العمل ، والرياء في العمل منهي عنه ، بل العمل ذو الرياء ليس بعمل على الحقيقة ، لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى . وأصحابنا المتكلمون يقولون : ينبغي أن يعمل المكلف الواجب لأنه واجب ويجتنب القبيح لأنه قبيح ، ولا يفعل الطاعة ويترك المعصية رغبة في الثواب ، وخوفا من العقاب ، فإن ذلك يخرج عمله من أن يكون طريقا إلى الثواب ، وشبهوه بالاعتذار في الشئ ، فإن من يعتذر إليك من ذنب خوفا أن تعاقبه على ذلك الذنب ، لا ندما على القبيح الذي سبق منه ، لا يكون عذره مقبولا ، ولا ذنبه عندك مغفورا . وهذا مقام جليل لا يصل إليه إلا الافراد من ألوف الألوف . وقد جاء في الآثار من النهى عن الرياء والسمعة كثير ، روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال " يؤتى في يوم القيامة بالرجل قد عمل اعمال الخير كالجبال - أو قال : كجبال تهامة - وله خطيئة واحدة ، فيقال إنما عملتها ليقال عنك ، فقد قيل ، وذاك ثوابك وهذه خطيئتك ، أدخلوه بها إلى جهنم " . وقال عليه السلام : " ليست الصلاة قيامك وقعودك ، إنما الصلاة إخلاصك ، وأن تريد بها الله وحده " . وقال حبيب الفارسي : لو أن الله تعالى أقامني يوم القيامة وقال : هل تعد سجدة سجدت ليس للشيطان فيها نصيب ؟ لم أقدر على ذلك .

--> ( 1 ) مجموعة المعاني 72 ، وهما لصخر بن عمرو السلمي ، أخي الخنساء ، والأول من أبيات أربعة في الأغاني 13 : 131 ( طبعة الساسي ) .