ابن أبي الحديد

305

شرح نهج البلاغة

وكلامه في هذه الخطبة مع أصحاب الجمل ، والداعي هو أحد الثلاثة : الرجلان والمرأة . ثم قال على سبيل الاستصغار لهم والاستحقار : " من دعا ! وإلى ما ذا أجيب ! " أي أحقر بقوم دعاهم هذا الداعي ! وأبح بالامر الذي أجابوه إليه ، فما أفحشه وأرذله ! وقال الراوندي : يا خيبة الداعي ، تقديره : يا هؤلاء ، فحذف المنادى ، ثم قال : خيبة الداعي ، أي خاب الداعي خيبة . وهذا ارتكاب ضرورة لا حاجة إليها ، وإنما يحذف المنادى في المواضع التي دل الدليل فيها على الحذف ، كقوله : * يا فانظرا أيمن الوادي على إضم * وأيضا ، فإن المصدر الذي لا عامل فيه غير جائز حذف عامله ، وتقدير حذفه تقدير ما لا دليل عليه . وهبلته أمه : ثكلته بكسر الباء . وقوله : " لقد كنت وما أهدد بالحرب " ، معناه : ما زلت لا أهدد بالحرب ، والواو زائدة . وهذه كلمة فصيحة كثيرا ما تستعملها العرب . وقد ورد في القرآن العزيز " كان " بمعنى " ما زال " في قوله : ( وكان الله عليما حكيما ) ونحو ذلك من الآي ، معنى ذلك : لم يزل الله عليما حكيما . والذي تأوله المرتضى رحمه الله تعالى في " تكملة الغرر والدرر " ( 2 ) كلام متكلف ، والوجه الصحيح ما ذكرناه . * * * وهذه الخطبة ليست من خطب صفين كما ذكره الراوندي ، بل من خطب الجمل ، وقد ذكر كثيرا منها أبو مخنف رحمه الله تعالى ، قال : حدثنا مسافر بن عفيف بن أبي الأخنس ،

--> ( 1 ) سورة النساء 170 ( 2 ) تكملة الغرر والدرر 2 : 300 - 302