ابن أبي الحديد

285

شرح نهج البلاغة

يطلع إذا استحكمت شبيبة الانسان واشتدت مرته ، ولذلك يدعوه العوام ضرس الحلم ( 1 ) ، كأن الحلم يأتي مع طلوعه ، ويذهب نزق الصبا ، ويقولون : رجل منجذ ، أي مجرب محكم ، كأنه قد عض على ناجذه وكمل عقله . وقوله : " يذري الروايات " هكذا أكثر النسخ ، وأكثر الروايات " يذري " من " أذرى " رباعيا ، وقد أوضحه قوله : " إذراء الريح " ، يقال : طعنه فأذراه ، أي ألقاه ، وأذريت الحب للزرع ، أي ألقيته ، فكأنه يقول : يلقى الروايات كما يلقى الانسان الشئ على الأرض ، والأجود الأصح الرواية الأخرى " يذرو الروايات ذرو الريح الهشيم " ، وهكذا ذكر ابن قتيبة في " غريب الحديث " لما ذكر هذه الخطبة عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال تعالى : ( فأصبح هشيما تذروه الرياح ) ، ( 2 ) والهشيم : ما يبس من النبت وتفتت . قوله : " لا ملئ " ، أي لا قيم به ، وفلان غنى ملئ ، أي ثقة بين الملا والملاء ، بالمد . وفي كتاب ابن قتيبة تتمة هذا الكلام : " ولا أهل لما قرظ به " ، قال : أي ليس بمستحق للمدح الذي مدح به . والذي رواه ابن قتيبة من تمام كلام أمير المؤمنين عليه السلام هو الصحيح الجيد ، لأنه يستقبح في العربية أن تقول : لا زيد قائم ، حتى تقول : ولا عمرو . أو تقول : ولا قاعد ، فقوله عليه السلام : " لا ملئ " أي لا هو ملئ ، وهذا يستدعى " لا " ثانية ، ولا يحسن الاقتصار على الأولى . وقوله عليه السلام : " اكتتم به " أي كتمه وستره . وقوله : " تصرخ منه وتعج " . العج : رفع الصوت ، وهذا من باب الاستعارة . وفي كثير من النسخ : " إلى الله أشكو " فمن روى ذلك وقف على " المواريث " ،

--> ( 1 ) الحلم ، بالكسر : الأناة والمقل . ( 2 ) سورة الكهف 45