ابن أبي الحديد

278

شرح نهج البلاغة

وقوله : " اليمين والشمال " ، مثال لان السالك الطريق المنهج اللاحب ناج ، والعادل عنها يمينا وشمالا معرض للخطر . ونحو هذا الكلام ما روى عن عمر ، أنه لما صدر عن منى في السنة التي قتل فيها ، كوم كومة من البطحاء ( 1 ) فقام عليها ، فخطب الناس ، فقال : أيها الناس ، قد سنت لكم السنن ، وفرضت لكم الفرائض ، وتركتم على الواضحة ، إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا گ ثم قرأ : ( ألم نجعل له عينين . ولسانا وشفتين . وهديناه النجدين ) ( 2 ) ثم قال الا إنهما نجدا الخير والشر ، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير . * * * [ من كلام للحجاج وزياد نسجا فيه على منوال كلام على ] وقوله : " إن الله داوى هذه الأمة بدواءين " كلام شريف ، وعلى منواله نسج الحجاج وزياد كلامهما المذكور فيه السوط والسيف . فمن ذلك قول الحجاج ( 3 ) : من أعياه داؤه ، فعلى دواؤه ، ومن استبطأ أجله فعلى أن أعجله ، ومن استثقل رأسه وضعت عنه ثقله ، ومن استطال ماضي عمره قصرت عليه باقيه ، إن للشيطان طيفا ، وإن للسلطان سيفا ، فمن سقمت سريرته ، صحت عقوبته ، ومن وضعه ذنبه ، رفعه صلبه ، ومن لم تسعه العافية لم تضق عنه الهلكة ، ومن سبقته بادرة فمه ، سبق بدنه سفك دمه . إني لأنذر ثم لا أنظر ، وأحذر ثم لا أعذر ، وأتوعد ثم لا أغفر ، إنما أفسدكم ( 4 ) ترقيق ولاتكم . ومن استرخى لببه ( 5 ) ، ساء أدبه . إن الحزم والعزم سلباني

--> ( 1 ) البطحاء : التراب السهل مما جرته السيول . ( 2 ) سورة البلد 8 - 10 ( 3 ) نهاية الإرب 7 : 224 ، صبح الأعشى 1 : 220 ، سرح العيون 122 ( 4 ) في صبح الأعشى : " ترنيق " ، والترنيق الضعف في الامر . ( 5 ) اللبب : ما يشد في صدر الدابة ليمنع استئخار الرحل ، يريد أن الهوادة واللين لمما يفسد الرعية .