ابن أبي الحديد

262

شرح نهج البلاغة

فخرج إليه علي عليه السلام ، فلم يمهله أن ضربه ، فقلق هامته . * * * قالوا : استدار الجمل كما تدور الرحا ، وتكاثفت الرجال من حوله ، واشتد رغاؤه واشتد زحام الناس عليه ، ونادى الحتات المجاشعي : أيها الناس ، أمكم أمكم ! واختلط الناس ، فضرب بعضهم بعضا ، وتقصد أهل الكوفة قصد الجمل ، والرجال دونه كالجبال ، كلما خف قوم جاء أضعافهم ، فنادى علي عليه السلام : ويحكم ! ارشقوا الجمل بالنبل ، اعقروه لعنه الله ! فرشق بالسهام ، فلم يبق فيه موضع إلا أصابه النبل ، وكان متجفجفا ( 1 ) فتعلقت السهام به ، فصار كالقنفذ ، ونادت الأزد وضبة : يا لثارات عثمان ! فاتخذوها شعارا ، ونادى أصحاب علي عليه السلام : يا محمد ! فاتخذوها شعارا ، واختلط الفريقان ، ونادى علي عليه السلام بشعار رسول الله صلى الله عليه وآله : يا منصور أمت ( 2 ) . وهذا في اليوم الثاني من أيام الجمل ، فلما دعا بها تزلزلت أقدام القوم ، وذلك وقت العصر ، بعد أن كانت الحرب من وقت الفجر . قال الواقدي : وقد روى أن شعاره عليه السلام كان في ذلك اليوم " حم لا ينصرون . اللهم انصرنا على القوم الناكثين " ، ثم تحاجز الفريقان ، والقتل فاش فيهما ، إلا أنه في أهل البصرة أكثر ، وأمارات النصر لائحة لعسكر الكوفة ، ثم تواقفوا في اليوم الثالث ، فبرز أول الناس عبد الله بن الزبير ، ودعا إلى المبارزة ، فبرز إليه الأشتر ، فقالت عائشة : من برز إلى عبد الله ؟ قالوا : الأشتر ، فقالت : وا ثكل أسماء ! فضرب كل منهما صاحبه فجرحه ، ثم اعتنقا ، فصرع الأشتر عبد الله ، وقعد على صدره ، واختلط الفريقان : هؤلاء لينقذوا عبد الله ، وهؤلاء ليعينوا الأشتر . وكان الأشتر طاويا ثلاثة أيام

--> ( 1 ) متجفجفا ، من قولهم تجفجف الثوب ، إذا ابتل ثم جف وفيه ندى . ( 2 ) هو أمر بالموت ، والمراد به التفاؤل بالنصر بعد الامر بالإماتة ، مع حصول الغرض ( النهاية لابن الأثير ) .