ابن أبي الحديد
253
شرح نهج البلاغة
فأما إخباره عليه السلام أن البصرة تغرق عدا المسجد الجامع بها ، فقد رأيت من يذكر أن كتب الملاحم تدل على أن البصرة تهلك بالماء الأسود ينفجر من أرضها ، فتغرق ويبقى مسجدها . والصحيح أن المخبر به قد وقع ، فإن البصرة غرقت مرتين ، مرة في أيام القادر ، بالله ومرة في أيام القائم بأمر الله ، غرقت بأجمعها ولم يبق منها إلا مسجدها الجامع بارزا بعضه كجؤجؤ الطائر ، حسب ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام ، جاءها الماء من بحر فارس من جهة الموضع المعروف الآن بجزيرة الفرس ، ومن جهة الجبل المعروف بجبل السنام ، وخربت دورها ، وغرق كل ما في ضمنها ، وهلك كثير من أهلها . وأخبار هذين الغرقين معروفة عند أهل البصرة ، يتناقلها خلفهم عن سلفهم . [ من أخبار يوم الجمل أيضا ] قال أبو الحسن علي بن محمد بن سيف المدائني ومحمد بن عمر الواقدي : ما حفظ رجز قط أكثر من رجز قيل يوم الجمل ، وأكثره لبني ضبة والأسد ، الذين كانوا حول الجمل يحامون عنه ، ولقد كانت الرؤوس تندر ( 1 ) عن الكواهل ، والأيدي تطيح من المعاصم ، وأقتاب البطن ( 2 ) تندلق من الأجواف ، وهم حول الجمل كالجراد الثابتة لا تتحلحل ولا تتزلزل ، حتى لقد صرخ عليه السلام بأعلى صوته : ويلكم اعقروا ، الجمل فإنه شيطان ! ثم قال : اعقروه وإلا فنيت العرب . لا يزال السيف قائما وراكعا حتى يهوى هذا البعير
--> ( 1 ) تندر : تقطع . ( 2 ) الأقتاب : الأمعاء ، واحده قتب ، محركة بالتاء أو بكسر فسكون