ابن أبي الحديد

234

شرح نهج البلاغة

" أتحبه " ؟ قلت : وما لي لا أحبه وهو أخي وابن خالي ! فقال : " أما إنك ستحاربه وأنت ظالم له " ، فاسترجع الزبير ، وقال : أذكرتني ما أنسانيه الدهر ، ورجع إلى صفوفه . فقال له عبد الله ابنه : لقد رجعت إلينا بغير الوجه الذي فارقتنا به ! فقال : أذكرني على حديثا أنسانيه الدهر ، فلا أحاربه أبدا ، وإني لراجع وتارككم منذ اليوم . فقال له عبد الله : ما أراك إلا جبنت عن سيوف بنى عبد المطلب ، إنها لسيوف حداد ، تحملها فتية أنجاد ، فقال الزبير : ويلك ! أتهيجني على حربه ، أما إني قد حلفت ألا أحاربه ، قال : كفر عن يمينك ، لا تتحدث نساء قريش أنك جبنت ، وما كنت جبانا ، فقال الزبير : غلامي مكحول حر كفارة عن يميني ، ثم أنصل ( 1 ) سنان رمحه ، وحمل على عسكر علي عليه السلام برمح لا سنان له ، فقال علي عليه السلام : أفرجوا له ، فإنه مخرج ، ثم عاد إلى أصحابه ، ثم حمل ثانية ، ثم ثالثة ، ثم قال لابنه : أجبنا ويلك ترى ! فقال : لقد أعذرت . * * * لما أذكر علي عليه السلام الزبير بما أذكره به ورجع الزبير ، قال : نادى على بأمر لست أنكره * وكان عمر أبيك الخير مذ حين فقلت حسبك من عذل أبا حسن * بعض الذي قلت منذ اليوم يكفيني ترك الأمور التي تخشى مغبتها * والله أمثل في الدنيا وفي الدين فاخترت عارا على نار مؤججة * أنى يقوم لها خلق من الطين ! * * * لما خرج علي عليه السلام لطلب الزبير ، خرج حاسرا ، وخرج إليه الزبير دارعا مدججا ، فقال للزبير : يا أبا عبد الله ، قد لعمري أعددت سلاحا ، وحبذا فهل أعددت عند الله عذرا ؟ فقال الزبير : إن مردنا إلى الله ، قال علي عليه السلام : ( يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين ) ( 2 ) ، ثم أذكره الخبر ، فلما كر

--> ( 1 ) أنصل سنان رمحه ، أي نزعه . ( 2 ) سورة النور 25