ابن أبي الحديد
221
شرح نهج البلاغة
فتكلم العباس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله ابتعث محمدا نبيا ، كما وصفت ، ووليا للمؤمنين ، فمن الله به على أمته حتى اختار له ما عنده ، فخلى الناس على أمرهم ليختاروا لأنفسهم ، مصيبين للحق مائلين عن زيغ الهوى ، فإن كنت برسول الله طلبت فحقنا أخذت ، وإن كنت بالمؤمنين فنحن منهم ، ما تقدمنا في أمركم فرطا ، ولا حللنا وسطا ، ولا نزحنا شحطا ، فإن كان هذا الامر يجب لك بالمؤمنين ، فما وجب ، إذ كنا كارهين وما أبعد قولك إنهم طعنوا من قولك أنهم مالوا إليك ، وأما ما بذلت لنا ، فإن يكن حقك أعطيتناه فأمسكه عليك ، وإن يكن حق المؤمنين فليس لك أن تحكم فيه ، وإن يكن حقنا لم نرض لك ببعضه دون بعض . وما أقول هذا أروم صرفك عما دخلت فيه ، ولكن للحجة نصيبها من البيان . وأما قولك : إن رسول الله صلى الله عليه وآله منا ومنكم ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله من شجرة نحن أغصانها ، وأنتم جيرانها ، وأما قولك : يا عمر ، إنك تخاف الناس علينا ، فهذا الذي قدمتموه أول ذلك ، وبالله المستعان . * * * لما اجتمع المهاجرون على بيعة أبى بكر ، أقبل أبو سفيان وهو يقول : أما والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم ! يا لعبد مناف ، فيم أبو بكر من أمركم ! أين المستضعفان ؟ أين الأذلان ! يعنى عليا والعباس ، ما بال هذا الامر في أقل حي من قريش . ثم قال لعلي : أبسط يدك أبايعك ، فوالله إن شئت لأملأنها على أبى فضيل - يعنى أبا بكر - خيلا ورجلا ، فامتنع عليه علي عليه السلام ، فلما يئس منه قام عنه وهو ينشد شعر المتلمس :