ابن أبي الحديد
219
شرح نهج البلاغة
السلام ، لإجالة الرأي ، وتكلموا بكلام يقتضى الاستنهاض والتهييج ، فقال العباس رضي الله عنه : قد سمعنا قولكم فلا لقلة نستعين بكم ، ولا لظنة نترك آراءكم ، فأمهلونا نراجع الفكر ، فإن يكن لنا من الاثم مخرج يصر بنا وبهم الحق صرير الجدجد ، ونبسط إلى المجد أكفا لا نقبضها أو نبلغ المدى ، وإن تكن الأخرى ، فلا لقلة في العدد ولا لوهن في الأيد ، والله لولا أن الاسلام قيد الفتك ، لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحل العلى . فحل علي عليه السلام حبوته ، وقال : الصبر حلم ، والتقوى دين ، والحجة محمد ، والطريق الصراط ، أيها الناس شقوا أمواج الفتن . . . الخطبة ، ثم نهض فدخل إلى منزله وافترق القوم . * * * وقال البراء بن عازب : لم أزل لبني هاشم ، محبا فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الامر عنهم ، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول ، مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فكنت أتردد إلى بني هاشم وهم عند النبي صلى الله عليه وآله في الحجرة ، وأتفقد وجوه قريش ، فأنى كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر ، وإذا قائل يقول : القوم في سقيفة بنى ساعدة ، وإذا قائل آخر يقول : قد بويع أبو بكر ، فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة ، وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه ، وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبى بكر يبايعه ، شاء ذلك أو أبى ، فأنكرت عقلي ، وخرجت أشتد حتى انتهيت إلى بني هاشم ، والباب مغلق ، فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا ، وقلت : قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة ، فقال العباس تربت أيديكم إلى آخر الدهر ، أما إني قد أمرتكم فعصيتموني . فمكثت أكابد ما في نفسي ، ورأيت