ابن أبي الحديد
215
شرح نهج البلاغة
ذكر أن أنسه بالموت كأنس الطفل بثدي أمه ، وأنه انطوى على علم هو ممتنع لموجبه من المنازعة ، وأن ذلك العلم لا يباح به ( 1 ) ، ولو باح به لاضطرب سامعوه كاضطراب الأرشية ، وهي الحبال في البئر البعيدة القعر ، وهذا إشارة إلى الوصية التي خص بها عليه السلام ، أنه قد كان من جملتها الامر بترك النزاع في مبدأ الاختلاف عليه . [ استطراد بذكر طائفة من الاستعارات ] واعلم أن أحسن الاستعارات ما تضمن مناسبة بين المستعار والمستعار منه ، كهذه الاستعارات ، فإن قوله عليه السلام : " شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة " من هذا النوع ، وذلك لان الفتن قد تتضاعف وتترادف ، فحسن تشبيهها بأمواج البحر المضطربة . ولما كانت السفن الحقيقة تنجي من أمواج البحر ، حسن أن يستعار لفظ السفن لما ينجي من الفتن ، وكذلك قوله : " وضعوا تيجان المفاخرة " ، لان التاج لما كان مما يعظم به قدر الانسان استعاره لما يتعظ به الانسان من الافتخار وذكر القديم وكذلك استعارة النهوض بالجناح لمن اعتزل الناس ، كأنه لما نفض يديه عنهم صار كالطائر الذي ينهض من الأرض بجناحيه . وفي الاستعارات ما هو خارج عن هذا النوع ، وهو مستقبح ، وذلك كقول أبى نواس : بح صوت المال مما * منك يبكى وينوح ( 2 ) وكذلك قوله : ما لرجل المال أضحت * تشتكي منك الكلالا ( 3 )
--> ( 1 ) ساقطة من ب ( 2 ) ديوانه 119 ( 3 ) ديوانه 70