ابن أبي الحديد
201
شرح نهج البلاغة
وقوله : " كربيضة الغنم " أي كالقطعة الرابضة من الغنم ، يصف شدة ازدحامهم حوله ، وجثومهم بين يديه . وقال القطب الراوندي : يصف بلادتهم ونقصان عقولهم ، لان الغنم توصف بقلة الفطنة . وهذا التفسير بعيد وغير مناسب للحال . فأما الطائفة الناكثة ، فهم أصحاب الجمل ، وأما الطائفة القاسطة فأصحاب صفين . وسماهم رسول الله صلى الله عليه وآله القاسطين . وأما الطائفة المارقة فأصحاب النهروان ، وأشرنا نحن بقولنا : سماهم رسول الله صلى الله عليه وآله القاسطين إلى قوله عليه السلام : " ستقاتل بعدي الناكثين ، والقاسطين والمارقين " . وهذا الخبر من دلائل نبوته صلوات الله عليه ، لأنه إخبار صريح بالغيب ، لا يحتمل التمويه والتدليس ، كما تحتمله الاخبار المجملة ، وصدق قوله عليه السلام : والمارقين " ، قوله أولا في الخوارج : " يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " ، وصدق قوله عليه السلام الناكثين كونهم نكثوا البيعة بادئ بدء ، وقد كان عليه السلام يتلو وقت مبايعتهم له : ( ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ) ( 1 ) . وأما أصحاب صفين ، فإنهم عند أصحابنا رحمهم الله مخلدون في النار لفسقهم ، فصح فيهم قوله تعالى : ( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) ( 2 ) . وقوله عليه السلام : " حليت الدنيا في أعينهم " تقول : حلا الشئ في فمي يحلو ، وحلي لعيني يحلى . والزبرج : الزينة من وشى أو غيره ويقال : الزبرج الذهب . فأما الآية فنحن نذكر بعض ما فيها ، فنقول : إنه تعالى لم يعلق الوعد بترك العلو في الأرض والفساد ، ولكن بترك إرادتهما ، وهو كقوله تعالى : ( ولا تركنوا إلى الذين )
--> ( 1 ) سورة الفتح 10 ( 2 ) سورة الجن 15