ابن أبي الحديد

182

شرح نهج البلاغة

وقال مرة : لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي إلا ارتجعت ذلك منها ، فقالت له امرأة : ما جعل الله لك ذلك ، إنه تعالى قال : ( وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ) ( 1 ) فقال : كل النساء أفقه من عمر ، حتى ربات الحجال ! ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت ، فأضلت إمامكم ففضلته ! * * * ومر يوما بشاب من فتيان الأنصار وهو ظمآن ، فاستسقاه ، فجدح ( 2 ) له ماء بعسل فلم يشربه ، وقال : إن الله تعالى يقول : ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) فقال له الفتى : يا أمير المؤمنين ، إنها ليست لك ولا لأحد من هذه القبيلة ، اقرأ ما قبلها : ( ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) ( 3 ) ، فقال عمر : كل الناس أفقه من عمر ! * * * وقيل إن عمر كان يعس بالليل ، فسمع صوت رجل وامرأة في بيت ، فارتاب فتسور الحائط ، فوجد امرأة ورجلا ، وعندهما زق خمر ، فقال : يا عدو الله ، أكنت ترى أن الله يسترك وأنت على معصيته ! قال : يا أمير المؤمنين ، إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث ، قال الله تعالى : ( ولا تجسسوا ) ( 4 ) ، وقد تجسست . وقال : ( وأتوا البيوت من أبوابها ) ( 5 ) ، وقد تسورت ، وقال : ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا ) ( 6 ) ، وما سلمت ! وقال : متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا محرمهما ، ومعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج . وهذا الكلام وإن كان ظاهره منكرا فله عندنا مخرج وتأويل ، وقد ذكره أصحابنا الفقهاء في كتبهم . * * *

--> ( 1 ) سورة النساء 20 ( 2 ) جدح : خلط ( 3 ) سورة الأحقاف 20 ( 4 ) سورة الحجرات 12 ( 5 ) سورة البقرة 189 ( 6 ) سورة النور 61