ابن أبي الحديد
169
شرح نهج البلاغة
ثم جاءوا من بعدها يستقيلون * ، وهيهات عثرة لا تقال ! وقد اختلف الرواة في هذه اللفظة ، فكثير من الناس رواها : " أقيلوني فلست بخيركم " ، ومن الناس من أنكر هذه اللفظة ولم يروها ، وإنما روى قوله : " وليتكم ولست بخيركم " . واحتج بذلك من لم يشترط الأفضلية في الإمامة . ومن رواها اعتذر لأبي بكر فقال : إنما قال : أقيلوني ، ليثور ( 1 ) ما في نفوس ( 2 ) الناس من بيعته ، ويخبر ما عندهم من ولايته ، فيعلم مريدهم وكارههم ، ومحبهم ومبغضهم . فلما رأى النفوس إليه ساكنة ، والقلوب لبيعته مذعنة ، استمر على إمارته وحكم حكم الخلفاء في رعيته ، ولم يكن منكرا منه أن يعهد إلى من استصلحه لخلافته . قالوا : وقد جرى مثل ذلك لعلى عليه السلام ، فإنه قال للناس بعد قتل عثمان : دعوني والتمسوا غيري ، فأنا لكم وزيرا خير منى لكم أميرا . وقال لهم : اتركوني ، فأنا كأحدكم ، بل أنا أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ، فأبوا عليه وبايعوه ، فكرهها أولا ، ثم عهد بها إلى الحسن عليه السلام عند موته . قالت الامامية : هذا غير لازم ، والفرق بين الموضعين ظاهر ، لان عليا عليه السلام لم يقل : إني لا أصلح ، ولكنه كره الفتنة ، وأبو بكر قال كلاما معناه : إني لا أصلح لها ، لقوله : " لست بخيركم " ، ومن نفى عن نفسه صلاحيته للإمامة ، لا يجوز أن يعهد بها إلى غيره . واعلم أن الكلام في هذا الموضع مبنى على أن الأفضلية هل هي شرط في الإمامة أم لا ؟ وقد تكلمنا في شرح " الغرر " لشيخنا أبى الحسين ( 3 ) رحمه الله تعالى في هذا البحث بما لا يحتمله هذا الكتاب .
--> ( 1 ) يثور : يبحث ( 2 ) ا : " قلوب " . ( 3 ) هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب المتكلم المعتزلي ، توفى سنة 436 ، وكتابه " غرر الأدلة " ، ذكره ابن خلكان 1 : 482 .