ابن أبي الحديد
167
شرح نهج البلاغة
شتان ما يومى على كورها * ويوم حيان أخي جابر أرمى بها البيداء إذ هجرت * وأنت بين القرو والعاصر ( 1 ) في مجدل شيد بنيانه * يزل عنه ظفر الطائر تقول : شتان ما هما ، وشتان هما ، ولا يجوز شتان ما بينهما ، إلا على قول ضعيف . وشتان أصله شتت ، كوشكان ذا خروجا ، من وشك . وحيان وجابر ابنا السمين الحنفيان ، وكان حيان صاحب شراب ومعاقرة خمر ، وكان نديم الأعشى ، وكان أخوه جابر أصغر سنا منه ، فيقال : إن حيان قال للأعشى : نسبتني إلى أخي ، وهو أصغر سنا منى ! فقال : إن الروى اضطرني إلى ذلك ، فقال : والله لا نازعتك كأسا أبدا ما عشت . يقول : شتان يومى وأنا في الهاجرة والرمضاء ، أسير على كور هذه الناقة ، ويوم حيان وهو في سكرة الشراب ، ناعم البال ، مرفه من الأكدار والمشاق . والقرو شبه حوض ، يتخذ من جذع أو من شجر ينبذ فيه ، والعاصر : الذي يعتصر العنب . والمجدل : الحصن المنيع . * * * وشبيه بهذا المعنى قول الفضل بن الربيع في أيام فتنة الأمين يذكر حاله وحال أخيه المأمون : إنما نحن ( 2 ) شعب من أصل ، أن قوى قوينا ، وإن ضعف ضعفنا ، وإن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء ، يشاور النساء ، ويقدم على الرؤيا ، قد أمكن أهل الخسارة واللهو من سمعه ، فهم يمنونه الظفر ، ويعدونه عقب الأيام ، والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل ، ينام نوم الظربان ، وينتبه انتباه الذئب ، همه بطنه وفرجه ، لا يفكر في زوال نعمة ، ولا يروى في إمضاء رأى ولا مكيدة ، قد شمر له عبد الله
--> ( 1 ) لم يرد هذا البيت في ديوانه ، وهو في اللسان 20 : 34 ، وروايته : * أرمى بها البيداء إذ أعرضت * ( 2 ) الخبر بالتفصيل في تاريخ الطبري ( حوادث سنة 196 ) .