ابن أبي الحديد
163
شرح نهج البلاغة
وتدلوا بها إلى الحكام ) ( 1 ) ، أي تدفعوها إليهم رشوة ، وأصله من : أدليت الدلو في البئر ، أرسلتها . فإن قلت : فإن أبا بكر إنما دفعها إلى عمر حين ، مات ولا معنى للرشوة عند الموت ! قلت : لما كان عليه السلام يرى أن العدول بها عنه إلى غيره إخراج لها إلى غير جهة الاستحقاق ، شبه ذلك بإدلاء الانسان بماله إلى الحاكم ، فإنه إخراج للمال إلى غير وجهه ، فكان ذلك من باب الاستعارة . [ عهد أبى بكر بالخلافة إلى عمر بن الخطاب ] وابن الخطاب هو أبو حفص عمر الفاروق ، وأبوه الخطاب بن نفيل بن عبد العزى ابن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب . وأم عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم . لما احتضر أبو بكر ، قال للكاتب اكتب : هذا ما عهد عبد الله بن عثمان ( 2 ) ، آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة ، في الساعة التي يبر فيها الفاجر ، ويسلم فيها الكافر . ثم أغمي عليه فكتب الكاتب : عمر بن الخطاب ، ثم أفاق أبو بكر ، فقال : اقرأ ما كتبت ، فقرأ وذكر اسم عمر ، فقال : أنى لك هذا ! قال : ما كنت لتعدوه ، فقال : أصبت ، ثم قال : أتم كتابك ، قال : ما أكتب ؟ قال اكتب : وذلك حيث أجال رأيه وأعمل فكره ، فرأى أن هذا الامر ( 3 لا يصلح آخره إلا بما به أوله ولا 3 ) ، ولا يحتمله إلا أفضل العرب مقدرة ، وأملكهم لنفسه ، وأشدهم في حال الشدة ، وأسلسهم في حال اللين ، وأعلمهم برأي ذوي الرأي ، لا يتشاغل بما لا يعنيه ، ولا يحزن لما لم ينزل به ، ولا يستحى من التعلم ، ولا يتحير
--> ( 1 ) سورة البقرة 188 ( 2 ) عثمان اسم أبى قحافة ( 3 - 3 ) ب : " لا يصلح آخره إلا بما يصلح به أوله " .