ابن أبي الحديد

161

شرح نهج البلاغة

اثنان ، فقال له : أو يطمع يا عم فيها طامع غيري ! قال : ستعلم ، فلم يلبثا أن جاءتهما الاخبار بأن الأنصار أقعدت سعدا لتبايعه ، وأن عمر جاء بأبي بكر فبايعه وسبق الأنصار بالبيعة ، فندم علي عليه السلام على تفريطه في أمر البيعة وتقاعده عنها ، وأنشده العباس قول دريد : أمرتهم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد ( 1 ) * * * وتزعم الشيعة أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعلم موته ، وأنه سير أبا بكر وعمر في بعث أسامة لتخلو دار الهجرة منهما ، فيصفو الامر لعلى عليه السلام ، ويبايعه من تخلف من المسلمين بالمدينة على سكون وطمأنينة ، فإذا جاءهما الخبر بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وبيعة الناس لعلى عليه السلام بعده ، كانا عن المنازعة والخلاف أبعد ، لان العرب كانت تلتزم بإتمام تلك البيعة ، ويحتاج في نقضها إلى حروب شديدة ، فلم يتم له ما قدر ، وتثاقل أسامة بالجيش أياما ، مع شدة حث رسول الله صلى الله عليه وآله على نفوذه وخروجه بالجيش ، حتى مات صلى الله عليه وآله وهما بالمدينة ، فسبقا عليا إلى البيعة وجرى ما جرى . وهذا عندي غير منقدح ، لأنه إن كان صلى الله عليه وآله يعلم موته ، فهو أيضا يعلم أن أبا بكر سيلي الخلافة ، وما يعلمه لا يحترس منه ، وإنما يتم هذا ويصح إذا فرضنا أنه عليه السلام كان يظن موته ولا يعلمه حقيقة ، ويظن أن أبا بكر وعمر يتمالآن على ابن عمه ، ويخاف وقوع ذلك منهما ولا يعلمه حقيقة ، فيجوز إن كانت الحال هكذا أن ينقدح هذا التوهم ، ويتطرق هذا الظن ، كالواحد منا له ولدان : يخاف من أحدهما

--> ( 1 ) ديوان الحماسة - بشرح المرزوقي 2 : 814 ، وروايته : " فلم يستبينوا الرشد " .