ابن أبي الحديد
159
شرح نهج البلاغة
هربتم من نسبته لهم إلى الظلم لدفع النص ، ووقعتم في نسبته لهم إلى الظلم لخلاف الأولى من غير علة في الأولى ! ومعلوم أن مخالفة الأولى من غير علة في الأولى كتارك النص ، لأن العقد في كلا الموضعين يكون فاسدا ! قيل : الفرق بين الامرين ظاهر ، لأنه عليه السلام لو نسبهم إلى مخالفة النص لوجب وجود النص ، ولو كان النص موجودا لكانوا فساقا أو كفارا لمخالفته . وأما إذا نسبهم إلى ترك الأولى من غير علة في الأولى ، فقد نسبهم إلى أمر يدعون فيه خلاف ما يدعى عليه السلام ، وأحد الامرين لازم ، وهو إما أن يكون ظنهم صحيحا ، أو غير صحيح ، فإن كان ظنهم هو الصحيح فلا كلام في المسألة ، وإن لم يكن ظنهم صحيحا كانوا كالمجتهد إذا ظن وأخطأ ، فإنه معذور ، ومخالفة النص خارج عن هذا الباب ، لان مخالفه غير معذور بحال ، فافترق المحملان . [ مرض رسول الله وإمرة أسامة بن زيد على الجيش ] لما مرض رسول الله صلى الله عليه وآله مرض الموت ، دعا أسامة بن زيد بن حارثة ، فقال : سر إلى مقتل أبيك ، فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك على هذا الجيش ، وإن أظفرك الله بالعدو ، فاقلل اللبث ، وبث العيون ، وقدم الطلائع ، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا كان في ذلك الجيش ، منهم أبو بكر وعمر ، فتكلم قوم وقالوا : يستعمل هذا الغلام على جلة المهاجرين والأنصار ! فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله لما سمع ذلك ، وخرج عاصبا رأسه ، فصعد المنبر وعليه قطيفة ( 2 ) فقال : " أيها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ! لئن طعنتم في تأميري أسامة ، فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وأيم الله إن كان لخليقا بالأمارة ، وابنه من ( 3 ) بعده لخليق بها ،
--> ( 1 ) قتل زيد بن حارثة بمؤتة ، إحدى قرى البلقاء ، وتفصيل الخبر في الطبري ، ( حوادث السنة الثامنة ) . ( 2 ) القطيفة : كساء له أهداب ( 3 ) ا : " وإن ابنه من بعده الخليق بها "