ابن أبي الحديد
140
شرح نهج البلاغة
عندنا إلى العناد ، ولسنا نعنى بالوصية النص والخلافة ، ولكن أمورا أخرى لعلها - إذا لمحت - أشرف وأجل . وأما الوراثة فالإمامية يحملونها على ميراث المال ، والخلافة ، ونحن نحملها على وراثة العلم . ثم ذكر عليه السلام أن الحق رجع الآن إلى أهله ، وهذا يقتضى أن يكون فيما قبل في غير أهله ، ونحن نتأول ذلك على غير ما تذكره الامامية ، ونقول : إنه عليه السلام كان أولى بالامر وأحق ، لا على وجه النص ، بل على وجه الأفضلية ، فإنه أفضل البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأحق بالخلافة من جميع المسلمين ، لكنه ترك حقه لما علمه من المصلحة ، وما تفرس فيه هو والمسلمون من اضطراب الاسلام ، وانتشار الكلمة ، لحسد العرب له ، وضغنهم عليه . وجائز لمن كان أولى بشئ فتركه ثم استرجعه أن يقول : قد رجع الامر إلى أهله . وأما قوله : " وانتقل إلى منتقله " ، ففيه مضاف محذوف ، تقديره : " إلى موضع منتقله " ، والمنتقل بفتح القاف مصدر بمعنى الانتقال ، كقولك : لي في هذا الامر مضطرب ، أي اضطراب ، قال : قد كان لي مضطرب واسع في الأرض ذات الطول والعرض ( 1 ) وتقول : ما معتقدك ؟ أي ما اعتقادك . قد رجع الامر إلى نصابه ، وإلى الموضع الذي هو على الحقيقة الموضع الذي يجب أن يكون انتقاله إليه . فإن قيل : ما معنى قوله عليه السلام : " لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد ، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه ابدا " . قيل لا شبهة أن المنعم أعلى وأشرف من المنعم عليه ، ولا ريب أن محمدا صلى الله
--> ( 1 ) ديوان الحماسة 1 : 287 بشرح المرزوقي ، من أبيات نسبها إلى خطاب بن المعلى ، واسمه في التبريزي : " حطان بن المعلى " .