ابن أبي الحديد

134

شرح نهج البلاغة

في المنثور ، وأما في المنظوم فأن تتساوى الحروف التي قبل الروى مع كونها ليست بواجبة التساوي ، مثال ذلك قول بعض شعراء الحماسة ( 1 ) : بيضاء باكرها النعيم فصاغها * بلباقة فأدقها وأجلها ( 2 ) حجبت تحيتها فقلت لصاحبي * ما كان أكثرها لنا وأقلها وإذا وجدت لها وساوس سلوة شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها ( 3 ) ألا تراه كيف قد لزم اللام الأولى من اللامين اللذين صارا حرفا مشددا ! فالثاني منهما هو الروى ، واللام الأول الذي قبله التزام ما لا يلزم ، فلو قال في القصيدة : وصلها ، وقبلها ، وفعلها ، لجاز . واحترزنا نحن بقولنا : مع كونها ليست بواجبة التساوي عن قول الراجز ، وهو من شعر الحماسة أيضا : وفيشة ليست كهذي الفيش * قد ملئت من نزق وطيش ( 4 ) إذا بدت قلت أمير الجيش * من ذاقها يعرف طعم العيش . فإن لزوم الياء قبل حرف الروى ليس من هذا الباب ، لأنه لزوم واجب ، ألا ترى أنه لو قال في هذا الرجز : البطش والفرش والعرش لم يجز ، لان الردف ( 5 ) لا يجوز أن يكون حرفا خارجا عن حروف العلة ، وقد جاء من اللزوم في الكتاب العزيز مواضع

--> ( 1 ) من أبيات أربعة ، أولها : إن التي زعمت فؤادك ملها * خلقت هواك كما خلقت هوى لها وهي في المرزوقي 1235 ، وأمالي القالي ( 1 : 156 ) من غير نسبة ، ونقل التبريزي عن أبي رياش أنها لعروة بن أذينة . ( 2 ) أدقها وأجلها ، أي أتى بها دقيقة العين والأنف والثغر والخصر ، جليلة الساق والفخذ والصدر . ( 3 ) الحماسة : * شفع الضمير لها إلى فسلها * ( 4 ) ديوان الحماسة - بشرح التبريزي 4 : 340 . ( 5 ) الردف عند العروضيين هو حرف لين أو مد قبل الروى يتصلان به .