ابن أبي الحديد
129
شرح نهج البلاغة
القصير ، فإنه غير مسجوع ، لأنه لا يحتمل السجع ، وكذلك القصير من كلام أمير المؤمنين عليه السلام . فأما قولهم : إن السجع يدل على التكلف ، فإن المذموم هو التكلف الذي تظهر سماجته وثقله للسامعين ، فأما التكلف المستحسن ، فأي عيب فيه ! ألا ترى أن الشعر نفسه لا بد فيه من تكلف إقامة الوزن ، وليس لطاعن أن يطعن فيه بذلك . واحتج عائبو السجع بقوله عليه السلام لبعضهم منكرا عليه : " أسجعا كسجع الكهان ! " . ولولا أن السجع منكر لما أنكر عليه السلام سجع الكهان وأمثاله ، فيقال لهم : إنما أنكر عليه السلام السجع الذي يسجع الكهان أمثاله ، لا السجع على الاطلاق ، وصورة الواقعة أنه عليه السلام أمر في الجنين بغرة ( 1 ) ، فقال قائل : أأدي من لا شرب ولا أكل ، ولا نطق ولا استهل ، ومثل هذا يطل ! فأنكر عليه السلام ذلك ، لان الكهان كانوا يحكمون في الجاهلية بألفاظ مسجوعة كقولهم : حبة بر ، في إحليل مهر . وقولهم : عبد المسيح ، على جمل مشيح ( 2 ) ، لرؤيا المؤبذان ، وارتجاس الإيوان . ونحو ذلك من كلامهم . وكان عليه السلام قد أبطل الكهانة والتنجيم والسحر ، ونهى عنها ، فلما سمع كلام ذلك القائل أعاد الانكار ، ومراده به تأكيد تحريم العمل على أقوال الكهنة . ولو كان عليه السلام قد أنكر السجع لما قاله ، وقد بينا أن كثيرا من كلامه مسجوع ، وذكرنا خطبته . ومن كلامه عليه السلام المسجوع خبر ابن مسعود رحمه الله تعالى ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " استحيوا من الله حق الحياء " ، فقلنا إنا لنستحي يا رسول الله من الله تعالى ، فقال : " ليس ذلك ما أمرتكم به ، وإنما الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس
--> ( 1 ) الغرة : ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد والإماء . انظر النهاية لابن الأثير ( 3 : 155 ) . ( 2 ) جمل مشيح : جاد مسرع .