ابن أبي الحديد
109
شرح نهج البلاغة
عند قيام الأجساد ، وقد دل القرآن العزيز ، ونطق كلام أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الفصل ، بأن آدم كان في الجنة وأخرج منها ! قيل : قد اختلف شيوخنا رحمهم الله في هذه المسألة ، فمن ذهب منهم إلى أنهما غير مخلوقتين الآن يقول : قد ثبت بدليل السمع أن سائر الأجسام تعدم ولا يبقى في الوجود إلا ذات الله تعالى ، بدليل قوله : ( كل شئ هالك إلا وجهه ) ( 1 ) وقوله : ( هو الأول والآخر ) ( 2 ) ، فلما كان " أولا " بمعنى أنه لا جسم في الوجود معه في الأزل وجب أن يكون " آخرا " ، بمعنى أنه لا يبقى في الوجود جسم من الأجسام معه فيما لا يزال ، وبآيات كثيرة أخرى . وإذا كان لا بد من عدم سائر الأجسام لم يكن في خلق الجنة والنار قبل أوقات الجزاء فائدة ، لأنه لا بد أن يفنيهما مع الأجسام التي تفنى يوم القيامة فلا يبقى مع خلقهما من قبل معنى . ويحملون الآيات التي دلت على كون آدم عليه السلام كان في الجنة وأخرج منها ، على بستان من بساتين الدنيا . قالوا : والهبوط لا يدل على كونهما في السماء ، لجواز أن يكون في الأرض ، إلا أنهما في موضع مرتفع عن سائر الأرض . وأما غير هؤلاء من شيوخنا فقالوا : إنهما مخلوقتان الآن ، واعترفوا بأن آدم كان في جنة الجزاء والثواب ، وقالوا : لا يبعد أن يكون في إخبار المكلفين بوجود الجنة والنار لطف لهم في التكليف ، وإنما يحسن الاخبار بذلك إذا كان صدقا ، وإنما يكون صدقا إذا كان خبره على ما هو عليه . [ القول في آدم والملائكة أيهما أفضل ] فإن قيل : فما الذي يقوله شيوخكم في آدم والملائكة : أيهما أفضل ؟ قيل : لا خلاف بين شيوخنا رحمهم الله أن الملائكة أفضل من آدم ومن جميع الأنبياء
--> ( 1 ) سورة القصص 88 . ( 2 ) سورة الحديد 3 .