ابن أبي الحديد

99

شرح نهج البلاغة

ومنها أن يقال : ما المعنى بقوله : " ثم نفخ فيها من روحه " ؟ الجواب ، أن النفس لما كانت جوهرا مجردا ، لا متحيزة ولا حالة في المتحيز ، حسن لذلك نسبتها إلى البارئ ، لأنها أقرب إلى الانتساب إليه من الجثمانيات . ويمكن أيضا أن تكون لشرفها مضافة إليه ، كما يقال : بيت الله للكعبة . وأما النفخ فعبارة عن إفاضة النفس على الجسد ، ولما كان نفخ الريح في الوعاء عبارة عن إدخال الريح إلى جوفه ، وكان الاحياء عبارة عن إفاضة النفس على الجسد ، ويستلزم ذلك حلول القوى والأرواح في الجثة باطنا وظاهرا ، سمى ذلك نفخا مجازا . * * * ومنها أن يقال : ما معنى قوله : " معجونا بطينته الألوان المختلفة " ؟ الجواب : أنه عليه السلام قد فسر ذلك بقوله : " من الحر والبرد ، والبلة والجمود " ، يعنى الرطوبة واليبوسة ، ومراده بذلك المزاج الذي هو كيفية واحدة حاصلة من كيفيات مختلفة ، قد انكسر بعضها ببعض . وقوله : " معجونا " صفة " إنسانا " . والألوان المختلفة ، يعنى الضروب والفنون ، كما تقول ( 1 ) : في الدار ألوان من الفاكهة . * * * ومنها أن يقال : ما المعنى بقوله : " واستأدى الملائكة وديعته لديهم " ؟ وكيف كان هذا العهد والوصية بينه وبينهم ؟ الجواب ، أن العهد والوصية هو قوله تعالى لهم : ( إني خالق بشرا من طين . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) ( 2 ) . * * *

--> ( 1 ) ا : " كما يقال " . ( 2 ) سورة ص 71 ، 72 .