ابن أبي الحديد

96

شرح نهج البلاغة

والكروبيون ( 1 ) عند أهل الملة سادة الملائكة ، كجبرائيل وميكائيل . وعند الفلاسفة أن سادة الملائكة هم الروحانيون - يعنون العقول الفعالة وهي المفارقة للعالم الجسماني المسلوبة التعلق به ، لا بالحول ولا بالتدبير . وأما الكروبيون فدون الروحانيين في المرتبة وهي أنفس الأفلاك المدبرة لها ، الجارية منها مجرى نفوسنا مع أجسامنا . ثم هي على قسمين : قسم أشرف وأعلى من القسم الآخر ، فالقسم الأشرف ما كان نفسا ناطقة غير حالة في جرم الفلك ، كأنفسنا بالنسبة إلى أبداننا . والقسم الثاني ما كان حالا في جرم الفلك ، ويجرى ذلك مجرى القوى التي في أبداننا ، كالحس المشترك والقوة الباصرة . * * * الأصل : منها في صفة آدم عليه السلام : ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها ، وعذبها وسبخها تربة سنها بالماء حتى خلصت ، ولاطها بالبلة حتى لزبت ، فجبل منها صورة ذات أحناء ، ووصول وأعضاء وفصول أجمدها حتى استمسكت ، وأصلدها حتى صلصلت ، لوقت معدود ، وأجل معلوم . ثم نفخ فيها من روحه فتمثلت ( 2 ) إنسانا ذا أذهان يجيلها ، وفكر يتصرف بها ، وجوارح يختدمها ، وأدوات يقلبها ، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل ، والأذواق والمشام ، والألوان والأجناس ، معجونا بطينته الألوان المختلفة ،

--> ( 1 ) الكروبيون ، مخففة الراء - على ما قاله صاحب القاموس - : هم أقرب الملائكة إلى حملة العرش ، وأصله من الكرب وهو القرب ، قال أمية : ملائكة لا يفترون عبادة كروبية منهم ركوع وسجد ( 2 ) مخطوطة النهج : " فمثلت "