ابن أبي الحديد
79
شرح نهج البلاغة
فإن قيل : فقد قال بعده : " موجود لا عن عدم " فلا يبقى بين الكلمتين فرق . قيل : بينهما فرق ، ومراده بالموجود لا عن عدم هاهنا وجوب وجوده ونفي إمكانه ، لان من أثبت قديما ممكنا ، فإنه وإن نفى حدوثه الزماني فلم ينف حدوثه الذاتي ، وأمير المؤمنين عليه السلام نفى عن البارئ تعالى في الكلمة الأولى الحدوث الزماني ، ونفى عنه في الكلمة الثانية الذاتي . وقولنا في الممكن : إنه موجود من عدم ، صحيح عند التأمل ، لا بمعنى أن عدمه سابق له زمانا ، بل سابق لوجوده ذاتا ، لان الممكن يستحق من ذاته أنه لا يستحق الوجود من ذاته . وأما قوله : " مع كل شئ لا بمقارنة " ، فمراده بذلك أنه يعلم الجزئيات والكليات كما قال سبحانه : " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم " ( 1 ) . وأما ( 2 ) قوله : " وغير كل شئ لا بمزايلة " ، فحق ، لان الغيرين في الشاهد هما ما زايل أحدهما الآخر وباينه بمكان أو زمان ، والبارئ سبحانه يباين الموجودات مباينة منزهة عن المكان والزمان ، فصدق عليه أنه غير كل شئ لا بمزايلة . وأما قوله : " فاعل لا بمعنى الحركات والآلة " ، فحق ، لان فعله اختراع ، والحكماء يقولون : إبداع ، ومعنى الكلمتين واحد ، وهو أنه يفعل لا بالحركة والآلة كما يفعل الواحد منا ، ولا يوجد شيئا من شئ . وأما قوله : " بصير إذ لا منظور إليه من خلقه " ، فهو حقيقة مذهب أبي هاشم ( 3 ) رحمه الله وأصحابه ، لأنهم يطلقون عليه في الأزل أنه سميع بصير ، وليس هناك مسموع ولا مبصر ، ومعنى ذلك كونه بحال يصح منه إدراك المسموعات والمبصرات إذا وجدت ،
--> ( 1 ) سورة المجادلة 7 . ( 2 ) أ : " فأما " . ( 3 ) هو أبو هاشم عبد السلام بن أبي محمد الجبائي المتكلم المشهور ، وأحد كبار المعتزلة ، وله مقالات في هذا المذهب زخرت بها كتب الكلام . توفي سنة 321 . ( ابن خلكان 1 : 292 ) .