الشيخ المحمودي

687

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

وحده لا شريك له ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحقّ ، ليزيح به علّتكم ويوقظ به غفلتكم ، واعلموا أنّكم ميّتون ومبعوثون من بعد الموت ، وموفّون على أعمالكم ومجزيّون ، فلا تغرنّكم الحياة الدّنيا ولا يغرنّكم باللّه الغرور ، فإنّها دار بالبلاء محفوفة ، وبالفناء معروفة ، وبالغدر موصوفة ، وكلّ ما فيها إلى زوال ، وهي بين أهلها دول وسجال ، لا تدوم أحوالها ولن يسلم من شرّها نزّالها بينا أهلها منها في رخاء وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور ؛ أحوال مختلفة وتارات متصرّفة ، العيش فيها مذموم والرّخاء فيها لا يدوم ، وإنّما أهلها فيها أغراض مستهدفة ، ترميهم بسهامها وتقضمهم بحمامها « 1 » وكلّ حتفه فيها مقدور وحظّه فيها موفور . واعلموا عباد اللّه ، أنّكم وما أنتم فيه من هذه الدّنيا على سبيل من مضى ممّن كانوا أطول منكم أعمارا ، وأشدّ منكم بطشا ، وأعمر ديارا وأبعد آثارا ، فأصبحت أصواتهم خامدة من بعد طول تعلّيها ، وأجسادهم بالية وديارهم خالية وآثارهم عافية ، واستبدلوا بالقصور المشيّدة ، والسّرر [ المنضّدة ] والنمارق الممهّدة ، الصّخور والأحجار المسندة في القبور اللّاطئة الملحدة « 2 » الّتي قد بني للخراب فناؤها وشيّد بالتراب بناؤها ، فمحلّها مقترب وساكنها مغترب ، بين أهل عمارة موحشين ، وأهل محلّة متشاغلين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران على ما بينهم من قرب الجوار ودنوّ الدّار ، وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلى ، وأكلتهم الجنادل والثّرى فأصبحوا بعد الحياة أمواتا ، وبعد غضارة العيش رفاتا ، فجع بهم الأحباب ، وسكنوا التراب ، وظعنوا فليس لهم

--> ( 1 ) - الحمام - بالكسر - : الموت . ( 2 ) - لطأ بالأرض : لصق ، والملحدة من « ألحد القبر » جعل له لحدا ، أي شقاقا في وسطه أو جانبه .